أصحاب الفيل

أصحاب الفيل

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾.

أجمعت الرواة على أن ملك اليمن الذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة ابن الصباح الأشرم وكنيته أبو يكسوم، قال الواقدي هو صاحب النجاشي جد النجاشي الذي كان على عهد رسول الله‘ وقال محمد بن يسار أقبل تبع حتى نزل على المدينة فنزل بوادي وحفر بها بئراً يدعى اليوم بئر الملك وبالمدينة إذ ذاك يهود الأوس والخزرج فقاتلوه وجعلوا يقاتلونه بالنهار فإذا أمسى أرسلوا إليه بالضيافة فاستحيا واراد صلحهم فخرج إليه رجل من الأوس يقال له أحيحة بن جلاح وخرج إليه من اليهود بنيامين القرظي فقال أحيحة: أيها الملك نحن قومك وقال بنيامين هذه بلدة لا تقدر على أن تدخلها ولو جهدت قال ولم قال لأنها منزل نبي من الأنبياء يبعثه الله من قريش قال: ثم خرج يسير حتى كان من مكة على ليلتين بعث الله عليه ريحاً فقصفت يديه ورجليه وشنجت جسده فأرسل إلى من معه من اليهود فقال ويحكم ما هذا الذي أصابني قالوا أحدثت نفسك بشيء قال نعم وذكر ما أجمع عليه من هدم البيت وإصابة ما فيه قالوا ذلك بيت الله الحرام ومن أراده هلك قال ويحكم وما المخرج مما وقعت فيه قالوا تحدث نفسك أن تطوف به وتكسوه وتهدي له فحدث نفسه بذلك فأطلقه الله ثم سار حتى دخل مكة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وكسا البيت ونحر بمكة وأطعم الناس ثم رجع إلى اليمن فقتله قومه فخرج ابنه إلى قيصر واستغاث به فيما فعل قومه بأبيه وإن قيصر كتب له إلى النجاشي ملك الحبشة فبعث النجاشي معه ستين ألفاً واستعمل عليهم روزبه فقاتلوا حمير قتلة أبيه ودخلوا صنعاء فملكوها وملكوا اليمن وكان في اصحاب رزوبة رجل يقال له أبرهة وهو أبو يكسوم قال لروزبه إني أولى بهذا الأمر منك ثم قتله وتولى الأمر وأرضى النجاشي واستب له اومر ثم أنه بني كعبة باليمن وجعل فيها قباباً من ذهب وأمر أهل مملكته بالحج إليها يضاهي بذلك البيت الحرام وأن رجلاً من كنانة خرج حتى قدم اليمن فنظر إليها ثم قعد فيها لحاجة الإنسان فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة فقال من اجترأ علي بهذا ونصرانيتي لأهدمن ذلك البيت حتى لا يحجه حاج أبداً ودعا بالفيل وأذن قومه بالخروج ومن اتبعه من أهل اليمن وكان أكثر من اتبعه منهم عك والأشعريون وخثعم قال ثم خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلاً من بني سليم ليدعو الناس إلى حج بيته الذي بناه فتلقاه أيضاً رجل من الحمس من بني كنانة فقتله فازداد بذلك حنقاً وحث السير والانطلاق وطلب من أهل الطائف دليلاً فبعثوا معه رجلاً من هذيل يقال له نفيل فخرج بهم يهديهم حتى إذا كانوا بالمغمس نزلوه وهو من مكة على ستة أميال فبعثوا مقدماتهم إلى مكة فخرجت قريش عباديد في رؤوس الجبال وقالوا لا طاقة لنا بقتال هؤلاء ولم يبق بمكة غير عبدالمطلب بن هاشم أقام على سقايته وغير شيبة بن عثمان بن عبد الدار أقام على حجابة البيت فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي البيت ويقول:

لاهم أن المرء يمنع رحله
لا يغلبوا بصليبهم
لا يدخلوا البلد الحرام

فامنع حلالك
ومحالهم عدوا محالك
إذاً فأمر ما بدالك

ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعماً لقريش فأصابت فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم فلما بلغه ذلك خرج حتى أتى القوم وكان حاجب أبرهة رجل من الأشعريين له بعبد المطلب معرفة فاستأذن له على الملك وقال له جاءك سيد قريش الذي يطعم إنسها في الحي ووحشها في الجبل فقال له ءأذن له وكان عبدالمطلب رجلاً جسيماً جميلاً فلما رآه أبو يكسوم أبرهة أعظمه أن يجلسه تحته وكره أن يجلسه معه على سريره فنزل معه على سريره وجلس على الأرض وأجلس عبدالمطلب معه ثم قال ما حاجتك؟ قال حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك فقال أبو يكسوم والله لقد رأيتك فأعجبتني ثم تكلمت فزهدت فيك فقال ولم أيها الملك؟ قال لأني جئت إلى بيت عزكم ومنعتكم من العرب وفضلكم في الناس وشرفكم عليهم ودينكم الذي تعبدون فجئت لأكسره وأصيبت لك مائتا بعير فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك ولم تطلب إلي في بيتكم فقال له عبدالمطلب: أيها الملك إني أكلمك في مالي ولهذا البيت رب هو يمنعه لست أنا منه في شيء فراع ذلك أبا يكسوم وأمر برد إبل عبد المطلب عليه ثم رجع وأمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها كأنها تكلمهم كلاماً لاقترابها منهم فأحست نفوسهم بالعذاب وخرج دليهم حتى دخل الحرم وتركهم وقام الأشعرون وخثعم فكسروا رماحهم وسيوفهم وبرءوا إلى الله تعالى أن يعينوا على هدم البيت فباتوا كذلك بأخبث ليلة ثم أدلجوا بسحر فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا بمكة فوجهوه إلى مكة فربض فضربوه فتمرغ فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن يصبحوا ثم أنهم أقبلوا على الفيل وقالوا لك الله أن لا نوجهك إلى مكة فانبعث فوجهوه إلى اليمن راجعاً فتوجه يهرول فعطفوه حين رأوه منطلقاً حتى إذا ردوه إلى مكانه الأول ربض فلما رأوا ذلك عادوا إلى القسم فلم يزل كذلك يعالجونه حتى إذا كان مع طلوع الشمس طلعت عليهم الطير معها الحجارة فجعلت ترميهم وكل طائر في منقاره حجر وفي رجليه حجران وإذا رمت بذلك مضت وطلعت أخرى فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه ولا عظم إلا أوهاه وثقبه وثاب أبو يكسوم راجعاً قد أصابته بعض الحجارة فجعل كلما قدم أرضاً انقطع له أرب حتى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شيء منه إلا أباده فلما قدمها تصدع صدره وانشق بطنه فهلك ولم يصب من الأشعرين وخثعم أحد.

قال: وكان عبدالمطلب يرتجز داعياً على الحبشة:

يا رب لا أرجو لهم سواكا
إن عدو البيت من عاداكا

يا رب فامنع منهم حماكا
إنهم لم يقهروا قواكا

قال: ولم تصب أحداً تلك الحجارة إلا هلك وليس كل القوم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق وقال نفيل في ذلك:

ردينة ولو رأيت ولن ترينه
حمدت الله إذ عاينت طيراً
وكل القوم يسأل عن نفيل

لدى جنب المحصب ما رأينا
وخفت حجارة تلقى علينا
كأن عليَّ للحبشان دينا

وقال أمية بن أبي صلت الذي مات كافراً:

إن آيات ربنا بينات
حبس الفيل بالمغمس حتى

ما يمارى فيهن إلا الكفور
ظل يحبو كأنه معقور

وقال عبد الله بن عمرو بن مخزوم:

أنت الجليل ربنا لم تدنس
من بعد ما هم بشيء مبلس

أنت حبست الفيل بالمغمس
حبسته في هيئة المكركس

وقال ابن قيس الرقيات:

واستهلت عليهم الطير بالجندل حتى كأنه مرجوم.

وقال الأعشى:

طريق وجبار رواء أصوله

عليه أبابيل من الطير تنعب

وقال امرئ القيس:

تراهم إلى الداعي سراعاً كأنهم

أبابيل طير مدجن تحت ادجن

وروى العياشي بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله (ع) قال أرسل الله على أصحابه الفيل طيراً مثل الخطاف ونحوه في منقاره حجر مثل العدسة فكان يحاذي برأس الرجل فيرميه بالحجر فيخرج من دبره فلم تزل بهم حتى أتت عليهم قال فأفلت رجل منهم فجعل يخبر الناس بالقصة فبينما هو يخبرهم إذ أبصر طيراً فقال هذا منها قال فحاذاه فرماه على رأسه فخرج من دبره.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top