أصحاب الأخدود

أصحاب الأخدود

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾.

روى مسلم في الصحيح عن هدبة بن خالد مرفوعاً إلى صهيب عن رسول الله‘ قال: كان ملك فيمن كان قبلكم له ساحر فلما مرض الساحر قال إني قد حضر أجلي فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر فدفع إليه غلاماً وكان يختلف إليه وبين الساحر وأهل الغلام راهب فمر الغلام بالراهب فأعجبه كلامه وأمره فكان يطيل عنده القعود فإذا أبطأ عن الساحر ضربه وإذا بطأ عن أهله ضربوه فشكى ذلك إلى الراهب فقال يا بني إذا استبطأك الساحر فقل حبسني أهلي وإذا استبطأك أهلك فقل حبسني الساحر فبينما هو ذات يوم وإذا بالناس قد غشيتهم دابة عظيمة فظيعة فقال اليوم أعلم أمر ا لساحر أفضل أم الراهب فأخذ حجراً وقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك فاقتل هذه الدابة فرمى به فقتلها ومضى الناس فأخبر بذلك الراهب فقال أي بني إنك ستبتلى وإذا ابتليت فلا تدل علي قال فجعل الغلام يداوي الناس فيبرىء الأكمه والأبرص فبينما هو كذلك إذ عمى جليس للملك فأتاه وحمل إليه مالاً كثيراً فقال اشفني ولك ما ها هنا فقال إني لا أشفي أحداً ولكن الله يشفي فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك قال فآمن فدعا الله تعالى فشفاه فذهب فجلس إلى الملك فقال يا فلان من شفاك قال ربي قال أنا قال لا ربي وربك الله قال أو إن لك رباً غيري قال نعم وربي وربك الله فأخذه فلم يزل به حتى دله على الغلام فبعث إلى الغلام فقال له لقد بلغ من أمرك أن تشفي الأكمه والأبرص قال ما أشفي أحداً ولكن الله ربي يشفي قال أو إن لك رباً غيري قال نعم ربي وربك الله فأخذه فلم يزل به حتى دله على الراهب فوضع المنشار عليه فنشره حتى وقع شقين وقال للغلام ارجع عن دينك فأبى فأرسل معه نفراً وقال اصعدوا به الجبل كذا وكذا فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه منه قال فعلوا به الجبل فقال: اللهم اكفينهم بما شئت فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعون وجاء إلى الملك فقال ما صنع أصحابك قال كفانيهم الله فأرسل به مرة أخرى وقال انطلقوا به فلججوه في البحر فإن رجع وإلا فاغرقوه فانطلقوا به في قرقور وهي سفينة صغيرة طويلة المعروفة في زماننا اليوم بالقلص فلما توسطوا به البحر قال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا جميعاً ونجى الغلام فجاء حتى قام بين يدي الملك فقال له ما صنع أصحابك قال كفانيهم الله تعالى ثم قال له لست بقائلي حتى تفعل ما آمرك به أجمع الناس ثم أصلبني على جذع ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضعه على كبد القوس ثم قل باسم رب الغلام فإنك ستقتلني قال فجمع الناس وصلبه ثم أخذ سهماً من كنانته فوضعه على كبد القوس وقال باسم رب الغلام ورمى فوقع السهم في صدغه ومات فقال الناس آمنا برب الغلام فقيل له أرأيت ما كنت تخاف قد نزل والله بك آمن الناس فأمر بالأخدود فخددت على أفواه السكك ثم أضرمها ناراً وقال من رجع عن دينه فدعوه ومن أبى فأقحموه فيها فجعلوا يقتحمونها وجاءت امرأة بابن لها فقال لها يا أماه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت النار مع طفلها.

وروي عن أمير المؤمنين× كان السبب في ذلك أن ملكهم سكر فوقع على ابنته او أخته فلما أفاق قال لها كيف المخرج مما وقعت فيه قال تجمع أهل مملكتك وتخبرهم أنك ترى نكاح البنات وتأمرهم أن يحلوه فجمعهم فأخبرهم فأبوا أن يتابعوه فخد لهم أخدوداً في الأرض وأوقد فيه النيران وعرضهم عليها فمن أبى قبول ذلك قذفه في النار ومن أجاب خلى سبيله وكذلك يفعل الجبارة عند إرادتهم ما يوافق هواهم بقسر العباد بالنار أو السيف أو بالشنق أو بسائر أنواع التعذيب وفي أمة محمد‘ أمثال ذلك قديماً وحديثاً مما لا يخفى على من تتبع التاريخ مصداقاً لقوله‘: سيجري في أمتي ما جرى في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقدة بالقدة.

ورويت هذه القصة بطريق آخر على غير هذا النحو قالوا إن أصحاب الأخدود ثلاثة واحد بنجران والآخر بالشام والثالث بفارس حرقوا بالنار أما الذي بالشام فهو أنطياخوس الرومي وأما الذي بفارس فهو بخت نصر وأما الذي بأرض العرب فهو يوسف بن ذي نواس فأما من كان بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآناً وأنزل في الذي كان بنجران.

وذلك أن رجلين مسلمين كانا ممن يقرآن الإنجيل أحدهما بأرض تهامة والآخر بنجوان اليمن آجر أحدهما فسه في عمل يعمله فجعل ذات يوم يقرأ الإنجيل فرأت ابنة المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل فذكرت لأبيها ذلك فرمق حتى رآه فسأله فلم يخبره به فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام فتابعه مع سبعة وثمانين إنساناً من رجل وامرأة بعدما رفع عيسى× إلى السماء فسمع يوسف بن ذي نواس بن شراحيل بن تبع الحميري فخد لهم في الأرض وأوقد فيها وعرضهم على الكفر فمن أبى قذفه في النار ومن رجع عن دين عيسى لم يقذف فيها وإذا بامرأة جاءت ومعها ولد صغير لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت فقال ابنها يا أماه إن أمامك ناراً لا تطفى فلما سمعت من ابنها ذلك قُذفا في النار فجعلها الله وابنها في الجنة وقذف في النار سبعة وسبعون إنساناً.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top