نتائج التقوى والقول السديد

img

مسجد الإمام الرضا (عليه السلام)

29/5/1439هـ

مصطفى آل مرهون

أحمد اللهَ رب العالمين، وأستغفره وإياه أستعين؛ إنه خير معين. وأشهد أن لا إله إلّا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً| خاتم المرسلين، وأصلي وأسلم على آله الطيبين الطاهرين.

عباد الله، أدعوكم ونفسي إلى تقوى الله سبحانه، وتذكر الآخرة؛ فإنها دار المتّقين، وجنة الصالحين، ورياض المؤمنين، وجوار النبيين:

لا تركنن إلى القصور الفاخره *** واذكر عظامك حين تمسـي ناخره
وإذا رأيت زخارف الدنيا فقل *** (يا رب إن العيش عيش الآخره)([1])

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا([2]).

كل ما يقوم على أصل جيد يكون ثمره طيباً، وكل ما تأسس على التقوى والقول السديد فإنه ينتج الخير والصلاح والنتيجة الحسنة. وقد تكلم القرآن هنا عن نتيجتين:

الأولى: إصلاح الأعمال

إن الإنسان لابدّ له أن يعمل، ولكن البعض من أفراده قد وكلهم الله إلى أنفسهم منهم يتخبّطون فهو يتخبط في حياته وتوجهاته، وينجو من مشكلة ويقع في أخرى، حتى يكون حائراً يتخبط في حياتهم؛ ولذلك ورد في الدعاء: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»([3]).

وقال أمير المؤمنين علي×: «إن أبغض الخلائق إلى الله تعالى رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته، ورجل قمش جهلاً موضع في جهال الأمة»([4]).

أما الإنسان الآخر، فهو الذي هداه الله إلى العمل الصالح والصراط المستقيم، وسدده ووجهه إلى عمل الخير والصلاح، وأخذ بيده إلى الهدى. ولا شك أن هذا العمل يحتاج إلى الإخلاص له سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾([5]).

الإخلاص لله

إذا أراد الله بعبد خيراً وفقه للإخلاص في عمله، ليكون بعيداً عن الجهل، والشوائب والحرام، وسوء التوفيق، والرياء، وليحظى من الله تعالى بقبول العمل الصالح؛ حيث إن من وفقه الله للإخلاص، فقد وفق للسلامة في دينه وعمله، فالإخلاص قوام الفضائل وملاك الطاعة وجوهر العبادة ومناط صحة العمل وقبوله عند الخالق سبحانه، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾([6]). وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِله الدِّينُ الْخَالِصُ﴾([7]).

وبهذا يتضح أن الإخلاص هو أساس العقائد والشرائع، وشرط واقعي لصحة الأعمال؛ إذ هو رائدها نحو طاعة الله ورضاه، بل هو ما يحرر الإنسان من إغواء الشيطان وأضاليله، قال تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾([8]).

وقال النبي|: «ومن أخلص لله أربعين يوماً، فجر الله له ينابيع الحكمة من قلبه»([9]).

وقال الإمام الجواد×: «أفضل العبادة الإخلاص»([10]).

ومع أن الإخلاص هو الذي ينير طريق الطاعة الحقيقية والعبودية الصادقة، فإن الشيطان يعمل على إغواء الناس وحملهم على الرياء والخداع، وحب الجاه والسمعة، مما يؤدي إلى ضعف الأعمال وخسارة العمر.

قال الشاعر:

ثوب الرياء يشف عما تحته *** فإذا التحفت به فإنك عارِ([11])

الثانية: مغفرة الذنوب

وهذا من رحمته تعالى بعباده إذ دلهم على طرق المغفرة وأسبابها ما لم يكن شركاً به سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا([12]).

وهناك العديد من الآيات التي ذكرت لنا عدة عناوين لمعرفته سبحانه:

أولاً: التوبة، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ…﴾ ([13]).

ثانياً: الإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ([14]).

ثالثاً: اجتناب الكبائر، قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا([15]).

رابعاً: الهجرة والشهادة في سبيله، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ…﴾ ([16]).

خامساً: إقراض الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُوا الله قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ([17]).

سادساً: الصدقة بالسر، قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ([18]).

سابعاً: تقوى الله تعالى، قال سبحانه: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ([19]). وفي آية المقام قال سبحانه: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ([20]).

(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).

___________________

([1]) إعانة الطالبين 2: 351.

([2]) الأحزاب: 70 ـ 71.

([3]) رسائل الشهيد الثاني 2: 830.

([4]) نهج البلاغة / الخطبة: 17.

([5]) البينة: 5.

([6]) الكهف: 110.

([7]) الزمر: 2 ـ 3.

([8]) ص: 82 ـ 83.

([9]) بحار الأنوار 67: 249 / 25.

([10]) بحار الأنوار 67: 249 / 25.

([11]) أخلاق أهل البيت^: 88.

([12]) النساء: 116.

([13]) التحريم: 8.

([14]) محمد: 2.

([15]) النساء: 31.

([16]) آل عمران: 195.

([17]) التغابن: 17.

([18]) البقرة: 271.

([19]) الأنفال: 29.

([20]) الأحزاب: 71.

الكاتب الشيخ مصطفى ال مرهون

الشيخ مصطفى ال مرهون

مواضيع متعلقة

اترك رداً