الشعر.. إلمام وإلهام _ 3

img

المحور الثاني: ويقع في زاويتين: مكانته في الإسلام، وجملة من الأحكام المرتبطة به.

الزاوية الأولى: مكانته في الإسلام:

عندما تتأمل الآية: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ترى أنّها تحكي عن أنّ العرب في عصر الرسالة يتّهمون النبي بأنّه شاعر، فلو دلّت الآيات في بادئ النظر على شيء فإنّما تدلّ على أنّه لم يكن للشعر عندهم وزن ولا للشاعر مكانة، ولذلك كانوا يقولون: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾.

ولكن الملموس من تاريخ العرب أنّهم كانوا يقدِّرون الشاعر ويحترمونه من غير فرق بين العصر الجاهلي وعصر الرسالة، وكانوا يشاورونه في أمر حلّهم وترحالهم، ولا يجيزون لأنفسهم معارضته والتخلّف عن إرادته ورأيه والدليل على مكانة الشعر لديهم أن العرب كانوا يقيمون المهرجانات الشعرية في أشهر الأماكن وأكثرها ازدحاماً، فهذه عكاظ ومجنة وذو المجاز ـ وهي أسواق تجارية مشهورة لمكة في الجاهلية ـ كانت تحتضن تلك المهرجانات والاحتفالات الأدبية، وكانت مركزاً لتجمّع أشهر الشعراء والخطباء وأبرزهم. كما كان للشعر مكانة مرموقة في المجتمع العربي حتّى سُمّي بـ «ديوان العرب»، فهذا هو ابن عباس يقول: «الشعر ديوان العرب»، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الّذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه».

وللأسف كما هو في امتداد تاريخ آداب الاُمم والملل استُغلّ الشعر لأغراض سيئة، وتلوّث هذا الذوق الإلهي اللطيف، فسقط في الوحل بسبب البيئة الفاسدة، وبلغ الشعر أحياناً درجة من الانحطاط بحيث صار من أهم عوامل الفساد والتخريب، ولا سيما في العصر الجاهلي الذي كان عصر انحطاط الفكر العربي وأخلاقِه. فكان الشعر والشراب والغارات بعضها إلى جنب بعض في مميزات ذلك العصر!

إذا أردنا أن نعرف سيرة المعصومين وموقفهم من الشعر والشعراء فهنا لابد أن ندرك أننا أمام نوعين من الشعر، وبالتالي يترتب موقف خاص لكل منهما.

أولاً: كلّ كلام خيالي ـ منظوماً كان أو منثوراً ـ غير هادف، يحلّق بالسامع في عالم الخيال والوهم دون أن يعتمد على أصل عقلي وضابطة اجتماعية، ومن أوضح مصاديقه ما كان القصّاصون عليه في رواياتهم وقصصهم.

سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، قال: «هم القصّاصون».

ومن أبرز هؤلاء: النضر بن الحارث الّذي نزل في حقّه قوله سبحانه ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ﴾.

يقول ابن هشام: كان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممّن كان يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلَّم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار.

ورستم وحسب ما يُنقل بطل أسطوري فارسي خيالي أبعدهم صيتاً وأبقاهم ذكراً ـ حسب الأسطورة الفارسية ـ وهو فارس ومغامر تغنى به الفردوسي في ملحمته الشاهنامة…. قتل رستم على يدي أخيه شغاد بعد قتله اسفنديار، والشاهنامة كتاب ألفه الفردوسي أبو القاسم منصور في الفترة ما بين 977م و1010م، وهو يعد الملحمة الوطنية لبلاد فارس هو تاريخ ماضي إيران، مسجل على شكل شعر. فكان إذا جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مجلساً فذكّر فيه بالله، وحذّر قومه ما أصاب من قبلهم من الأُمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثمّ قال: «إنّا والله يا معشر قُريش، أحسن حديثاً منه، فهلّم إليّ، فأنا أُحدّثكم أحسنَ من حديثه»، ثمّ يُحدّثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثمّ يقول: بماذا محمّدٌ أحسنُ حديثاً مني؟!

قال ابن هشام: وهو الّذي قال فيما بلغني ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾.

وعلى هذا فالشعراء القصّاصون غير الهادفين الذين يؤيّدون الأحزاب الباطلة وقَوَلة الزور ويدعون إلى المجون والخلاعة، هم الذين ذمّهم الله وعناهم بقوله سبحانه: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

وإذا كانت الوثنية تصف القرآن بأنّه شعر والنبي بأنّه شاعر فإنّما تريد هذا المعنى من الشعر والشعراء.

بنت الحوراء

يتبع…

الكاتب ----

----

مواضيع متعلقة