كشكول الوائلي _ 133

4 مارس 2018
التصنيف: مقالات ثقافية
عدد التعليقات: ٠

كشكول الوائلي _ 133

رجـع

ومن هنا نتبيّن الخطأ الفادح والفاحش في مذهب القائلين بأن من حقّ الإنسان أن يضع التشريعات والقوانين للمجتمع والحياة، وأن هذه المنظومة القانونية ستسعد الجنس البشري وتصل به إلى شاطئ الأمان. فأين لهذا المخلوق الضعيف الضيّق الاُفق، الذي تؤثر فيه وعليه المؤثرات البيئية والانفعالات النفسية، والذي تتملّكه أكثر من عقدة نقص أن يقنّن نظرية تحكم العلاقات البشرية؟ فكم من نظرية عاشت فترة ثم بعد فترة أصبحت خرافة ونسياً منسيّاً؛ لأنها لم تصمد أمام الشواهد الواقعية كنظريات تفسير الضوء وهل إنه موجي أم جسيمي، فكان يظن أنه موجي، ثم ذهب العلماء إلى أنه جسيمي(1). وربما يجيء وقت تفنّد فيه الكثير من النظريات الاُخرى وتركن على رفوف التاريخ.

هشام بن الحكم يرى الطبيعة الجسيمية للضوء

وهذا الأمر موجود في تراثنا العلمي؛ فقبل أكثر من ألف وثلاثمئة سنة كان هشام بن الحكم رحمه الله ـ أحد تلاميذ الإمام الصادق عليه السلام ـ يرى أن الضوء ذو طبيعة جسيمية، وأنه يتكون من جسيمات رقيقة ومتلاحقة، وهو ما أثبته العلم بعد ذلك(2).

وكان عند هذا الرجل من الآراء العلمية ما أثبته العلم في أوروپا فيما بعد.

على أية حال فهناك الكثير من النظريات التي وضعها الإنسان ثم جاء بعده من بني جنسه من نقضها وركنها لثبوت عدم صحتها، وهو أمر لا يمكن أن تخلو منه نظرياته القانونية؛ لأن المصدر واحد. وما دامت هذه النظريات عرضة للتخطئة والنقض فمن الواضح إذن أن الإنسان لا يملك القابلية التي ينبغي أن تتوفر في المشرّع أو المقنّن كي يشرّع لنفسه أو لغيره. وأنه يصلح المجتمع. كما أن على أي فرد ألاّ يضع مجرّد مقايسة بين تشريعات الأرض وتشريعات السماء، فأين الثرى من الثريا؟

وربما يعترض معترض بأن هذا القانون لم تضعه السماء وإنما وضعه النبي الأكرم محمد بن عبد اللّه‏ صلى الله عليه وآله.

ويجاب هذا المعترض بأنه لو تأمّل الفترة التي عاشها النبي صلى الله عليه وآله تأمّلاً جيداً، ثم قايس ما في القرآن الكريم من معارف وعلوم بمستوى الحياة الثقافية لها (الفترة التي عاشها الرسول صلى الله عليه وآله )، لوجد أن ذلك العصر لم يكن يتّسع ولو لجزء يسير جداً لما جاء في القرآن الكريم. وهذا الأمر يثبت أن القرآن والإسلام ليسا من ابتكار النبي صلى الله عليه وآله بل هما من وحي السماء. ومن هذا أن الفترة التي تفصلنا عن الإمام الصادق عليه السلام هي قرابة الثلاثة عشر قرناً، ومع ذلك نسمعه يقول: «يرى الذي في المشرق أخاه الذي في المغرب».

وفعلاً بدأت أجهزة التلفزة بنقل بثّ محطات التلفزة عبر الأقمار الصناعية مباشرةً من كل أرجاء العالم، فصار من بالمشرق يرى من بالمغرب(3).

وهذه الرواية يرويها المجلسي(4) عن الشيخ الصدوق رحمه الله وغيره(5)، والصدوق توفّي قبل ألف سنة، فمن أين جاء بهذه المعارف إن لم تكن من كلام المعصوم؟

وعليه فالبيئة التي عاش فيها النبي صلى الله عليه وآله في الحجاز كانت ترقد في حجر الجاهلية والظلمات، ولا يمكن لها أن تتمخّض عن مثل هذه المعارف.

إذن فهذا الكلام من المعصومين عليهم السلام مأخوذ عن النبي صلى الله عليه وآله، والنبي صلى الله عليه وآله كلامه من وحي السماء لا محالة، لا من البيئة الجاهلية(6)، فلو لم تكن السماء قد أطلعته صلى الله عليه وآله على ذلك ما أمكنه أن يقوله.

ونخلص من هذا إلى أن الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهّرة التي وردت على لسان الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين من آله هما من عند اللّه‏ تعالى، وإذا كانا كذلك فلا يجوز ولا يصحّ بأي حال من الأحوال أن نضرب بهما عرض الحائط ثم نلهث وراء نظم وقوانين وضعية يعتريها النقص ويشوبها التناقض(7)، إن هذا لا يسوغ أبداً. ثم إن هذا الذي يقنّن ربما كان يوماً ما راقصاً أو غير ذلك، وقد يسكر فتتغشّاه الخمرة ثم يسنّ القوانين والسنن، فهل يعقل أن نأخذ بما يشرّع وننبذ قوانين السماء من أجل من هو من هذا النمط؟ فالإنسان الضعيف غير قادر على حماية نفسه وتوفير الأمن والسلام لها، وهو ما يعبّر عنه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: «تؤلمه البقّة، وتقتله الشرقة، وتُنتِنُهُ العَرقة»، فهو بهذا محتاج لمن يتمّم له نقصه لا أن يشرّع لغيره.

يتبع…

____________________

(1) حتى جاء العالم الألماني بلانك ماكسويل الذي أثبت الطبيعة الثنائية للضوء؛ فهو في الفراغ يسلك سلوكاً موجيّاً وفي الوسط الجسمي يسلك سلوكاً جسيميّاً، وبذلك فسّرت كمومية الضوء (نظرية الكوانتوم).

(2) في أحد سلوكي الضوء كما مر في الهامش السابق.

(3) مضافاً إلى هذا وسائل الاتّصال الحديثة عبر النت.

(4) بحار الأنوار 52: 391.

(5) مستدرك سفينة البحار 1: 360.

(6) ففاقد الشيء لا يعطيه.

(7) قد ذكر المحاضر رضي الله عنه في إحدى المحاضرات أن من أوجه هذا التناقض أن يسنّ المشرّع القانوني مادّة تقول: يجب مراعاة التقاليد، وتغذية الناس بالفضيلة. لكنه يعود فيسنّ مادّة اُخرى تناقضها دون أن يلتفت إلى ذلك، فيقول فيها: يجب توفير الحرية للناس وضمانها في كلّ ما يمارسونه من أعمال. ومن جملة هذه الأعمال ما يكون منافيا للفضيلة.