حفظ اللسان

img

8-5-1439هـ

مسجد الإمام الرضا (عليه السلام)

مصطفى آل مرهون

الحمد لله مبيد الظالمين، ومعين المستضعفين، خالق الخلائق أجمعين، ديان يوم الدين، وأصلي وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين، حبيب قلوب العالمين، أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين.

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عزوجل وتجنب معصيته، فإن الذنوب تميت القلوب.

خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى

واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَکُونُوا کَالَّذينَ آذَوْا مُوسي‏ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَ کانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجيهاً * يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سَديداً * يُصْلِحْ لَکُمْ أَعْمالَکُمْ وَ يَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظيماً﴾ الأحزاب: ٦٩ ــ ٧١.

يجب في عقيدتنا احترام النبي ومقامه الشريف وعدم أذيته، وباعتبار أن كل نبي يدعو إلى الله تعالى وتوحيده وطاعته، ويعمل في إصلاح أمته وتوجيهها، فإن بعض مجتمعه يؤذيه، بل جلهم وأكثرهم، ومنهم موسى (عليهما السلام) حيث قالوا عنه أنه تسبب في قتل هارون، واتهمته بغياً بالزنا بتمويل من قارون لكي لا يدفع الزكاة، واتهموه بالسحر والجنون والافتراء على الله والأمراض، وطلبوا منه أن يريهم الله، إلى غير ذلك. ولكن الله يدافع عن الصادق (عليه السلام): (إن رضى الناس لا يُملك، وألسنتهم لا تُضبط) .. إلى أن قال (عليه السلام): (ألم ينسبوا إلى موسى أنه عنين وآذوه، حتى برأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيهاً). نور الثقلين ٤: ٣٠٩.

ومن هنا على المؤمن أن يكون حافظاً للسانه، وأن يقول القول السديد الموافق للحق والواقع، ويكون مواجهاً للفساد والباطل، خالصاً من الكذب واللغو. والإنسان مسؤول عن كل ما نطق به لسانه. قال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. ق: ١٨. فإن كان خيراً أثيب عليه، وإن كان شراً أخذ به.

احفظ لسانك لا تقول فتبتلي *** إن البلاء موكل بالمنطق

وقد روى الترمذي عن معاذ بن جبل الخزرجي أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا معاذ، وهل أكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟). سنن الترمذي ٤: ١٢٤ ـ ١٢٥.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله امرؤ على ما يقول). التوحيد: ٣٣٧ / ٣.

قال الشاعر:

يصاب الفتى من عثرة بلسانه *** وليس يصاب المرء من عثرة الرجل

فعثرته بالقول تُذهب رأسه *** وعثرته بالرجل تبرأ على مهل

وسمع أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلاً يتكلم بفضول الكلام، فقال له: (يا هذا، إنك تملي على حافظيك كتاباً إلى ربك، فتكلم بما يعنيك ودع عنك ما لا يعنيك). الأمالي (الصدوق): ٨٥ / ٥٣.

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه). بحار الأنوار ٧١: ٧٨.

قال الشاعر:

احفظ لسانك أيها الإنسان *** لا يلدغنك إنه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه *** عند اللقاء تهابه الأقران

كما ينبغي على المؤمن أن يتجنب فحش القول أي التعبير عما يقبح التصريح به وتجنب السباب وقذف الناس، وهذه الخصال من أبشع مساوئ اللسان وغوائله التي استنكرها الشرع ونهى عنها، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذم الفحش: (إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذيء قليل الحياء، لا يبالي ما قال ولا ما قيل له)…

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن من شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه) الوافي ٣: ١٦٠.

وقال (عليه السلام) لنفر من الشيعة: (معاشر الشيعة كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للناس حسناً، واحفظوا ألسنتكم، وكفوها عن الفضول وقبح القول). بحار الأنوار ٧١: ٣١٠ / ٣.

وعن السباب علينا أن ننزه ألسنتنا، فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه). الوافي ٣: ١٦٠.

وقال الإمام الباقر (عليه السلام) في قذف المؤمن: (ما من إنسان يطعن في مؤمن إلا مات بشر ميتة).

إذا رمت أن تحيا سليماً من الردى *** ودينك موفور وعرضك صلين

لسانك لا تذكر به عورة امرئ *** فكلك عورات وللناس ألسن

وعيناك إن أبدت إليك معايباً *** فدعها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى *** ودافع ولكن بالتي هي أحسن

وأبلغ من هذا قول الله عزوجل: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ النور: ٢٤.

اللهم: (واقبل إلينا بوجهك الكريم، واقبل تقربنا إليك، وانظر إلينا نظرة رحيمة، نستكمل بها الكرامة عندك، ثم لا تصرفها عنا بجودك، واسقنا من حوض جده (صلى الله عليه وآله وسلم) بكأسه وبيده رياً روياً هنيئاً سائغاً لا ظمأ بعده يا أرحم الراحمين). والحمد لله رب العالمين.

الكاتب الشيخ مصطفى ال مرهون

الشيخ مصطفى ال مرهون

مواضيع متعلقة

اترك رداً