دور المرأة الصالحة في بناء المجتمع / الحلقة 1

img

سلسلة محاضرات الشيخ الوائلي &

(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ).

مباحث الآية الكريمة

تتضمن هذه الآية الكريمة مباحث عدة سوف أعرض لها تباعاً إن شاء الله تعالى بعد ذكر مقدمة ممهّدة لذلك.

 

مقدمة: في ثقل المرأة

ورد في الأثر الشريف: «ليس لامرأة؛ لا لصالحتهن ولا لطالحتهن خطر، أمّا صالحتهن فليس لها خطر الذهب ولا الفضة، وأما طالحتهن فليس لها خطر التراب، والتراب خير منها». ومعنى «خطر»: أي قيمة، وأمّا قوله ×: «فليس لها خطر الذهب ولا الفضة»، أي أن قيمتها أكبر من الدنيا؛ فهي لا حدّ يقف عند ثمنها. ونريد بالمرأة الصالحة: المرأة الطيّبة الجامعة للشروط التي رسمها الشارع المقدّس، حيث تصبح حينئذٍ لا حدود إزاء ثمنها. أما الطالحة فلا ثمن لها، وهي لن تعدل شيئاً ذا قيمة وإن صغر أبداً؛ ذلك أنها عادة تكون خارج حدود الشرع ونطاقه وآدابه، فتصبح متعبة لمجتمعها ولزوجها من قبل.

وهذه القصّة التي تناولها القرآن الكريم في آية المقام تدور حولها مباحث ترتبط ارتباطاً مباشراً بهذا الموضوع الذي ذكرته لك، وهو موضوع المرأة. وكما هو معلوم وواضح للقارئ فإن الآية الكريمة تدور حول النبي أيوب × وقصّة ابتلائه ومرضه. وهي قصّة أشار إليها القرآن الكريم على نحو الإجمال، لكن كتب التفسير على العادة حينما تناولتها تفسيراً وتأريخاً، فقد أدخلت فيها الغثّ والسمين في تحديد معالمها وخيوطها. ولهذا فإننا نقول: إن هذه التفاصيل المذكورة في كتب التفسير لا علاقة لنا بها؛ لأنها ليس لها سند أو مدرك يمكن أن تستند إليه. وسوف نتناول هذه الأُمور بما يسمح به المقام ويقتضيه في مباحث متعدّدة إن شاء الله تعالى:

المبحث الأول: في مرض النبي أيوب ×

إن الحقيقة التي أشار إليها القرآن الكريم والتي لا يمكن إلا أن تكون كذلك هي أن محنة النبي أيوب × قد استمرّت فترة طويلة معه؛ فهي على بعض الروايات قد طالت ثماني عشرة سنة حتى أصبح جسمه كأنه الثوب البالي، إذ أنه كان كتلة من القروح والجروح، وحتى تساقط شعره، وقد جفّت قروح جسمه، فكان × لا يقوى على التحرك. كما أنه × ابتلي كذلك بالفقر ابتلاء شديداً؛ حيث إن الله سبحانه وتعالى قد سلبه كل ما أنعم عليه به من ضروع وزروع، وهو ما اضطرّ زوجته «ليا» ابنة يعقوب معه ـ وكانت من الصالحات ـ إلى أن تعمل لتأتي بقوتها وقوت زوجها. ولصعوبة الوضع المعيشي آنذاك، وصعوبة حياة العمل والحصول على فرص عمل كانت تحصل على ذلك القوت عن طريقة بعد لأي وشدّة، فكانت لا تكاد تحصل على عمل إلا بعد إصرار منها على البحث الدائب عنه؛ كي تعيل زوجها× وكي تقوّته.

ومن نتائج هذا الظرف أنها اضطرّت إلى أن تقص ضفائرها وتبيعها؛ لتأتي لزوجها بطعامه. لكنه × حينما وضعت له الطعام لمحها فلم ير شعرها، وحينما سألها عن جلية الأمر أجابته بأنها قد باعته لتحضر له به طعاماً، وهنا أقسم النبي أيوب × على أن يجلدها مئة جلدة. هذا هو ملخّص القصة التي تدور حولها الآية الكريمة.

المبحث الثاني: الملابسات التي ترتبط بآية المقام

وبعد أن استعرضنا القصّة التي وقعت للنبي أيوب × إجمالاً وبشكل موجز كما أشار إليها القرآن الكريم، لابدّ هنا من أن نمرّ بمجموعة من الملابسات التي ترتبط بهذا الموضوع من قريب أو من بعيد؛ وذلك وفق التسلسل التالي:

الملابسة الأولى: هل توحي الآية الكريمة بحيلة شرعيّة؟

تقول الآية الكريمة (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ)، والضغث هو عبارة عن عذق التمر، وهذا العذق بطبيعة الحال يحتوي على عيدان قد يصل عددها إلى أكثر من مئة عود. وهنا في هذه الآية الكريمة إشارة إلى ما ارتأى الفقهاء أن يسموه حيلة شرعية يفتون بموجبها بأن يُضرب من وجب عليه الحدّ مئة جلدة أو أقل من ذلك وكان مريضاً لا يحتمل الضرب بأن يؤخذ مثل هذا الضغث ويضرب به؛ لأن هذه حيلة شرعية قد أقرّها الشارع المقدس عبر هذه الآية الكريمة. والغرض من اللجوء إلى هذه الحيلة هو عدم تعطيل حدود الله سبحانه وتعالى بسبب مرض الشخص المراد حدّه، أو عدم تمكّنه من تحمّل الحد، بحيث إنه يؤدّي به إلى الموت؛ لطبيعة جسمه.

الحيل وأقسامها

وما دمنا قد مررنا بهذا الموضوع فإننا نودّ أن نبيّن عرضاً أن الحيل تنقسم إلى قسمين، هما:

الأول: الحيل الشرعية التي يقرّها الشارع المقدّس ويجيز التعامل بها.

الثاني: الحيل غير الشرعية، والتي لا يقرّها الشارع المقدّس مع أن هناك بعضاً من الفقهاء يجيز التعامل بالحيل كافّة مادامت من الممكن أن تدخل في نطاقها ولو مع التعمّل.

نماذج من الحيل غير الشرعية

وهذا الأمر طبعاً لا يمكن قبوله، ولا يجوز استعماله ومن هذا ـ الحيل غير المشروعة ـ أضرب بعض الأمثلة؛ ليتّضح للمتلقّي حقيقة هذه الحيل، وكيف أن فيها استخفافاً بالأحكام الشرعية وبالشارع المقدّس:

الأولى: حيلة التهرب من الحقوق

فبعض الأشخاص مثلاً حينما تقارب الزكاة أن تجب عليه ـ ومعروف أن شرطاً من شروط تعلّق الزكاة هو أن يحول عليها الحول كالأنعام والغلات والنقدين ـ وأراد: أن يحتال ليتخلّص من دفع زكاة أمواله فإنه يعمد إلى هبتها إلى شخص قريب منه كابنه أو زوجته مثلاً قبل أن يحول عليها الحول وهي عنده، فإذا ما مرّ الحول وابتدأ حول جديد استعادها منه كيلا تؤخذ منه الزكاة على تلك الأموال التي كانت عنده.

الثانية: حيلة المرأة المختلعة

ذلك أن بعض النساء يحاولن أن يختلعن من أزواجهن (والاختلاع هو أن تبذل المرأة مالاً لزوجها في سبيل أن يطلّقها، فإذا فعل فقد بانت منه)، فإذا أبي أزواجهن أن يخالعوهن فإنهن حينئذٍ يبقين زوجات مرتبطات بهم. وهنا يتدخّل البعض فيقول: إن هناك حيلة شرعية يمكن لهذه المرأة أن تطلّق من هذا الزوج دون أن تبذل شيئاً من الأموال عبر المخالعة؛ وذلك أنها تعلن ارتدادها عن الإسلام، فإذا ما فعلت ذلك فقد بانت منه بينونة كبرى بشكل تلقائي، ثم بعد ذلك تعود إلى الدين الإسلامي. وبهذا فإنها تحافظ على دينها، وتتخلّص من زوجها الذي يأبي أن يطلقها.

وهذا في واقع الأمر تصرّف غريب وشاذّ، ولا يمكن القبول به مطلقاً، فعلى مستوى المتخلّف عن دفع الحقوق فإننا نقول: إن الإنسان إنما يتعامل مع الله تبارك وتعالى وليس مع إنسان عادي، ومعلوم أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن تغيب عنه هذه الأشياء أو هذه التصرّفات، أو طريقة اللجوء إلى هذه الحيل. والإنسان عندما يريد أن يتهرّب من دفع الحقوق الشرعية المفروضة عليه والتي أكّدها الشارع المقدس عبر هذه الطريقة الملتوية فإنه يجب عليه أن يعلم أنه إنما يتعامل مع إله عالم محيط بكلّ الأشياء التي يفعلها، بل بالوجود بأسره وبالكون كلّه؛ وبهذا فإنه تبارك وتعالى لا يمكن أن تغيب عنه مثل هذه التصرّفات، أو مثل هذه الحيل.

وإذا كان الأمر كذلك ـ وهو أن الهدف منصب على التهرّب من أداء الحقوق، وهذه الحقوق مما يجب دفعه ـ فإن هذا الإنسان يجب أن يعلم بأنه غداً سوف لن يخلصه شيء من الله عزّ وجل إذا ما عُرض على الحساب.

وخلاصة القول هي أن الله تبارك وتعالى يعلم مثل هذه التصرفات، فهي لا يمكن أن تغيب عنه ولو للحظة؛ وعليه فإن هذا التصرف لا يمكن قبوله أبداً.

وأما بالنسبة للمرأة التي تؤمر بالارتداد عن الدين، فإن هذه الوسيلة التي يراد منها تخليص المرأة من الزوج هي وسيلة محرّمة، ومعلوم أن الطريق المحرّم أو المقدمة المحرمة تؤدّي إلى نتيجة محرمة. وهكذا فإذا كان الارتداد أمراً محرماً عليها فإن ما تفعله بواسطته هو أمر محرّم ولا يمكن أن يقع.

إذن فهذا اللون من الحيل يأباه الشارع المقدّس؛ لأنه محرّم كما ذكرنا، فاللجوء إلى الارتداد عن الدين عمل باطل لا يقرّه الإسلام بحال من الأحوال، وهو وإن كان حيلة، لكنها ليست شرعية، بل إنها ممّا يأباه الشرع إباء كاملاً. وعليه فالحيل التي تكون من هذا النوع لا تصمد أمام الأدلّة ولا أمام روح التشريع؛ فالتشريع له نصوص وألفاظ وروح، فروح التشريع هي روح الحكم وهي غير التمسّك بظواهر الأشياء التي عادة يكون الاهتمام منصبّاً على غيرها.

وبهذا فإننا نخلص إلى نتيجة هي أن هذا اللون من الحيل أو هذا النمط من التصرّفات لا يمكن أن يقبل بحال من الأحوال على مستوى التشريع، يروي عن يحيى بن عباد المكي أنه قال: قال لي سفيان الثوري: إني أرى لك من أبي عبد الله × منزلة، فسله عن رجل زني وهو مريض، إن أقيم عليه الحدّ مات، ما تقول فيه؟ فسألته فقال: «هذه المسألة من تلقاء نفسك أو قال لك إنسان أن تسألني عنها؟». فقلت: سفيان الثوري سألني أن أسألك. فقال ×: «إن رسول ‘ اُتي برجل مستسقي البطن، قد بدت عروق فخذيه، وقد زنى بامرأة مريضة فأمر رسول الله ‘ بعذق فيه مئة شمراخ، فضرب به الرجل ضربة، وضربت به المرأة ضربة، ثم خلّى سبيلهما، ثم قرأ هذه الآية: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ)».

رأي الفقهاء في المسألة

ومن خلال تتبعي لهذه المسألة وجدت أن الفقهاء يقسمون من يراد إقامة الحدّ عليه إلى قسمين، هما:

الأول: أنه ممّن يمكن برؤه وشفاؤه من مرضه، وفي مثل هذه الحال يقول الفقهاء: إن للحاكم أن ينتظره إلى أن يبرأ من مرضه، ثم يقيم الحد عليه.

الثاني: من لا يمكن برؤه، بل لا يرجى برؤه وشفاؤه ولا يتوقع منه حصول ذلك، فإنه حينئذٍ يلجأ إلى الطريقة التي ذكرنا وهي أخذ ضغث وجلده به حتى لا تعطّل الحدود التي أمر الله تبارك وتعالى بإقامتها، ولا تسقط عن شخص قد ارتكب جرماً يوجب عليه قيام ذلك الحدّ.

حقيقة الأمر وجليته

وفي واقع الأمر إن اللجوء إلى مثل هذه الطريقة لا يمكن أن نسميه حيلة؛ ذلك أنه في حقيقته يعتبر مرتبة من مراتب الحكم التي ردّد الشارع بينها وبين الجلد كاملاً في حالي الصحة والمرض، وذلك في تفصيل لا يسعه المقام هنا. فالأمر لم يكن حيلة شرعية أبداً وإنما هو أحد أفراد الحكم الشرعي الذي ردّده الشارع بين أن يكون بالجلد بعصا واحدة مئة جلدة فيما لو كان من يراد أن يقام عليه الحدّ صحيح الجسم سليماً، وبين أن يلجأ إلى طريقة الضغث في حال كون الشخص المراد إقامة الحد عليه مريضاً. ومع ذلك فإننا نجد أن البعض حينما يمر بهذه الآية الكريمة فكأنما يريد أن يثبت بأن هناك حيلاً شرعية يمكن الرجوع إليها.

الأثر السلبي للحيلة الشرعية

ونقول في مقام الرد على هذا الأمر: إن الحيل الشرعية غالباً ملاكها تعطيل ملاك الحلال والحرام اللذين أمر بمراعاتهما الشارع المقدّس، وإذا كان الأمر كذلك فليس من المعقول أن يسمح لنا الشارع بأن نعطّل ملاك الحكمة من الأحكام التي شرعها لنا، خاصّة إذا عرفنا أن هذه الأحكام مبتنية أبداً على المصالح والمفاسد. فإذا كان الشارع المقدّس قد أوجب علينا أمراً لمصلحة فيه، أو حرم أمراً لمفسدة فيه، فإن من غير المعقول أن يقبل بأن نلجأ إلى حيلة نبطل بها العمل بهذه المصلحة أو الابتعاد عن هذه المفسدة؛ لأنه حينئذٍ يكون لوناً من العبثيّة المنزّه عنها المقام الأقدس، وخلاف الحكمة التي أرادها الشارع المقدس، وهو رب الحكمة. وعليه فإن الشارع المقدّس إذا ما رأى أن تطبيق هذ الحكم (الحيلة الشرعية) سيفوت هدفه فإنه سوف لن يقبله بحال من الأحوال وإن كانت شكلياته محفوظة.

الملابسة الثانية: التشريع الإمضائي في الإسلام

إن الإسلام قد أمضى الكثير من تشريعات الديانات السابقة، والذي يظهر من الرواية الواردة عن الإمام الصادق × والتي يرويها الطبرسي في (مجمع البيان) أن هذا الحكم باقٍ وجائز العمل به في الإسلام وإن كان من تشريعات الديانات السابقة (4)، وذلك أنه لم يرد فيه ناسخ فينسخه. وإذا كان الأمر كذلك فإن الحكم يبقى مستمرّاً، والعمل به يظل باقياً وجائزاً ما لم يرد فيه ذلك الناسخ الذي أشرنا إليه، وهذا هو الذي عليه الفتوى كما مرّ.

إن الآية الكريمة إذ تقول: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ) فإنما تشير إلى أنه ليس هنالك بديل لهذا اليمين الذي حلف به، ولهذا السبب فإن السماء أمرته بأن يلجأ إلى هذا الحكم، وهو أن يأخذ عذق نخلة فيه مئة شمراخ فيضرب به امرأته. وهذا يعني أن الكفارة لم تكن موجودة كبديل للوفاء باليمين آنذاك، ولا أقلّ من أن هذا هو ما يوحي به جو آية المقام الكريمة. ثم إن امرأة النبي أيوب × لم تكن في الواقع ذات هدف سيّئ، أو لم تفعل شيئاً سيّئاً تهدف إليه من وراء بيع شعرها، وإنما كلّ ما كانت تريده هو أن توفّر الطعام لزوجها، ولتخفّف من آلامه ومرضه. ولذا فإن الحكم جاء بهذا التخفيف عنها؛ لأنها أساساً لم تكن قد ارتكبت معصية تستحق عليها الجلد.

إذن فالموضوع كلذه من الأساس موضوع رحمة؛ ولذا فإن السماء قد أمرت النبي أيوب × بأن يلجأ إلى هذا اللون من العقاب، وأن يستعمله؛ كيلا يحنث بيمينه، وكيلا يسقط ما توعّد به زوجته.

مشروعية ضرب الزوجة

واستناداً إلى هذا المقطع الشريف من آية المقام الكريمة، وبناء على ما ورد فيه يذهب البعض من الفقهاء أو المفسرين إلى القول بأنه يجوز للإنسان أحياناً أن يضرب زوجته ضرباً خفيفاً من باب التأديب.وللحقيقة نقول: إن هذه المسألة ترتبط ارتباطاً مباشراً بجوّ التربية الذي يوفّره المجتمع للزوج وللزوجة. وبعبارة اُخرى فإننا نقول مثلاً: إن المشرّع الإسلامي يضع نمطاً معيّناً من التربية للمرأة وللاُسرة؛ كي يهتدي على ضوئه من أراد أن يسلك طريق الإسلام في تهيئة المجتمع وإعداده وبنائه. فمن أراد أن يعتمد طريقة الإسلام في تربية ابنه وتوجيه زوجته بل وحتى نفسه فإن عليه أن يخضع لضوابط التربية الإسلامية التي وضعها الشارع المقدس في هذا المجال، والتي يجب أن تكون هي المقياس الأول والأهمّ في تطبيق بنود هذه التربية.

وعليه فإذا ما توفّرت أجواء التربية هذه توفّراً كاملاً، وعُمل بها عملاً كاملاً، فإنه حينئذٍ لا يمكن أن يصار إلى القول بجواز ضرب المرأة أبداً، يروي البخاري عن نبيّنا الأكرم ‘ أنه قال: «بم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل، ثم لعلّه يعانقها؟». ذلك أن هذا ليس جوّاً اُسرياً يريده الإسلام؛ لأنه غير مبتنٍ على ضوابط التربية الإسلامية. ثم إن المرأة أولاً وآخراً ليست حيواناً حتى يمكن أن يقال بأنها يجب أن تضرب، بل ربما إن الضرب يثمر العكس ممّا يراد به. فإذا ما ضربت فإن هذا يعني أن أسلوب التهديد الذي يلجأ إليه زوجها هو أسلوب غير صحيح وغير كاف في تحقيق منهج التربية الإسلامية؛ لأن الضرب لا يؤدّي إلا إلى نتائج سلبية، وهو لا يؤدي إلى نتائج إيجابية إلا في حالات معينة.

وهكذا فإن الإنسان إذا أراد أن يحترم زوجه، فعليه ألا يلجأ معها إلى مثل هذا الأسلوب. إن الله تبارك وتعالى قد أعطى الإنسان إمكانات كثيرة، وجعلها تحت يده وتصرّفه، وعليه فبوسعه استخدام هذه الإمكانات كافّة في سبيل تحقيق الهدف التربوي الذي يرمي إليه الإسلام؛ وحينئذٍ سوف لن يكون بحاجة إلى الضرب أبداً؛ لأن الضرب لا يمكن أن يحقّق الجوّ التربوي الكريم الذي ينبغي أن يخيم على الأسرة وأن يخلق فيها الانسجام والوئام والوفاق.

إن المرأة ـ كما يعبّر القرآن الكريم ـ سكن للرجل، وإذا كانت كذلك فلابدّ أن يكون هناك تبادل للعواطف بين الزوجين، وهو تبادل يجب أن يكون قائماً على المودّة والألفة والرحمة؛ لأنه ما من زوجين إلا ويخوضان في واقع أمرهما تجربة شراكة؛ وهذه الشراكة هي عبارة عن تربية أطفال وإنشاء نشء سليم وجيل صحيح مهذّب يعيش الجوّ الإسلامي، ويتمتّع بذهنية سليمة. أما إذا كان الجو الذي يعيش فيه الأطفال والزوج جوّاً ملغماً فإنه سوف لن تحصل كلّ تلك الاُمور التي يريدها الإسلام أبداً.

فأن يضرب الإنسان زوجته كما يضرب الحيوان لهو معنى تأباه الشريعة والتربية الإسلامية والإنسانية. إن المفروض هو أن تخاطب المرأة على أنها شريك في الحياة له دوره وله أثره، فتناقَش الاُمور معها لتبادل الرأي والمشورة بعد أن ينشئها الرجل ويربّيها وفق التربية الإسلامية. إن النبي الأكرم ‘ كان في بعض الحالات يسمع كلمات من بعض نسائه، لكنه ‘ كان يعالجها معالجة نفسيّة غريبة، تدلّ على أنه عظيم قد أدّبته السماء بأحسن الآداب، وخلّقته بأجمل الأخلاق.

الضرب الشرعي

إذن ليس من المفروض أن تضرب المرأة، مع أن البعض يقول: إن في حالات معينة ينبغي أن تضرب المرأة على ألا يتعدي الضرب رتبة الأدب، أي أنه ضرب تأديبي رمزي، أما أن يترك الضرب أثراً أو دماء أو عاهة، فهذا طبعاً ما لا يقرّه الإسلام أو الشارع المقدّس بحال من الأحوال أبداً، بل إنه يأباه. كما أن الجوّ الاُسري نفسه يأباه تماماً؛ لأنه يؤدّي إلى خلق عاهة نفسية أو اجتماعية داخل الاُسرة، وهو ما لا يريده المشرّع الأقدس؛ ذلك أن الإسلام في تربيته يريد أن تكون المشاعر التي تربط بين الزوجين مشاعر رقيقة مرهفة تتأثّر بالكلمة الحسنة تأثراً إيجابياً كبيراً ينعكس بدوره بشكل إيجابي على مضمار التربية التي يخوض فيها، ممّا يعني أن تصبح تلك المشاعر غاية في الرقة.

وعليه فإن على الإنسان ألا يتحوّل مثلاً إلى جوّ من البداوة أو الغلظة، مع أننا حتى لو رجعنا إلى الأجواء البدوية التي كانت سائدة قبل الإسلام وإلى تاريخ الجزيرة آنذاك فإننا نجد أن من النادر أن يضرب الرجل المرأة؛ سواء كانت زوجته أو غيرها. بل إنهم على العكس من ذلك، فقد كانوا يعتبرون هذا الأمر معيباً جداً.

وعلى أية حال فإن بعضاً من المفسّرين يستفيد من هذه الآية الكريمة جواز تأديب الزوج زوجته بشيء من الضرب الذي لا يتعدّي حدود الأدب. لكن في واقع الأمر هذا في النفس منه شيء، أي أنه ليس من المفروض أن تصل الأسرة إلى مستويات الضرب، بل يجب اللجوء إلى معالجة المشاكل عبر النقاش واللسان والتربية والرعاية، وإن فشل كلّ ذلك فالمقاطعة والهجر. أي أن هناك وسائل اُخرى يمكن أن يستعملها الإنسان دون ان تصل المسألة معها إلى حدود الضرب.

الكاتب الشيخ مصطفى ال مرهون

الشيخ مصطفى ال مرهون

مواضيع متعلقة

اترك رداً