عصمة الأنبياء[عليهم السلام] ـ 1

img

﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾.

مجمل الهيكل العام للآية الكريمة أن الله عز وجل يعصم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخطأ وإن كان بشراً. ذلك أن البشر بحكم كونهم بشراً معرضون للخطأ؛ لأن الكمال الله عز وجل، فإذا كان الإنسان كذلك فإنه يكون عرضة للتأثر بالنوازع نفسها التي يتأثر بها غيره من الناس بما عندهم من عواطف وعلاقات وارتباطات ولحظات ضعف تمرّ بهم، وكلّها تؤثر عليهم. فالآية الكريمة تقول له صلى الله عليه وآله وسلم: مع أن طبيعتك بشرية، لكنك بشرٌ صانه الله عن الوقوع في الخطأ. هذا هو مجمل جو الآية.

المبحث الأول: سبب في نزول الآية الكريمة

يذكر المفسّرون في نزول هذه الآية الكريمة أربعة أسباب:                     

السبب الأوّل: أن وفداً من ثقيف جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: إنك دعوتنا إلى الإسلام، ونحن نسلم ونبايع بثلاثة شروط قال صلى الله عليه وآله وسلم: “ما هي؟”. قالوا:

الأوّل: أن تحرّم وادينا كما حرمت مكة، فكما أن مكة محرّمة ولا يدخلها الإنسان إلا محرماً، وتترتب عليها أحكام، فنحن نريد أن تقول عن وأي ثقيف: إن الله جعله مثل مكة. وتذكر للناس أن الله أوحى بحرمة هذا الوادي.

والثاني: أنك تأمر بالصلاة، ومن أجزاء الصلاة أن الإنسان ينحني، فيركع ويسجد، ونحن لسنا على استعداد لأن ننحني، لأن انحناءنا ذلّ، فتريد أن تعفينا من هذا.

والثالث: أننا نريد منك مهلة سنة لتحطيم الأصنام، فنجمع بهذه السنة الهدايا والنذور التي تهدي للأصنام، ثم بعد ذلك نكون مستعدّين لتحطيمها وتكسيرها.

فإن حقّقت لنا هذه الشروط الثلاثة آمنا بك وبايعناك، وإلا فلا نؤمن ولا نبايع.

نظرة على السبب الأول

ولنلق الآن بعض الضوء على شروطهم الثلاثة هذه:

فالشرط الأول ـ وهو تحريم الوادي ـ فيه طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكذب ويدّعي أن هذا وحي من الله. وهذا منتهي العجرفة والصفاقة عند هؤلاء؛ فهم  يريدون منه صلى الله عليه وآله وسلم أن يكذب، ويقول ما لم يقله الله له، وينسبه إليه تعالى. وهذه مشكلة من أخطر المشاكل، فهؤلاء لا يعرفون قيمة الوحي، ول يعرفون أن النبوّة كلّها تتزلزل إذا ثبت بحادثة واحدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمكن أن يصدر منه شيء من هذا النوع.

أما الشرط الثاني ـ وهو إعفاؤهم من الانحناء في العبادة ـ فهذه مثل نظرية أبي جهل الذي دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فقال له: تريد مني أن أصلي حتى تعلوني إستي؟ وهذا نعط من التفكير التافه الذي لا يستحقّ المناقشة؛ لأن المنحني في الصلاة ينحني لله الخالق البارئ الرزاق الذي أنعم عليه.

وأمّا شرطهم الثالث وهو أن يمهلهم النبي صلى الله عليه وآل وسلم سنة حتى يجمعوا الهدايا والنذور التي تهدى للأصنام، فيوحي إلينا بالنظرية التي تقول: إن معظم السلوك مرتبط بالعامل الاقتصادي، وهي النظرية الماركسية القائلة: إن دوافع الإنسان في السلوك دوافع اقتصادية. فإن أراد الصلاة والعبادة وغيرها فذلك بدافع اقتصادي، وإن السلوك يتأثر 100% بالاقتصاد. وهذه النظرية مبالغ فيها.

وتمسى مثل هذه النظريات بالنظريات ذات العامل الواحد. صحيح أن العامل الاقتصادي قد يلعب دوره في التأثير على السلوك، ولكن ليس معنى ذلك أن كلّ سلوك الإنسان هو بدوافع اقتصادية؛ لأنهم يقولون مثلاً: إن الإنسان حتى لو عبد الله فإنه يريد أن يراه الناس متديناً فيطمئنوا إليه ويتعاملوا معه أكثر، فيربح أكثر.

وهذا سوء ظن بالإنسان أولاً، وهو خلاف الواقع ثانياً، لأننا نعرف أن الإنسان تحركه دوافع متعددة، كغرائز الجوع والجنس والأنانية وغيرها. والمسألة معروفة ولا تحتاج إلى تفصيل.

فهذه الشروط الثلاثة إذن تدل على عقلية بدائية جاهلية.

السبب الثاني: أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم لما كسر الأصنام قاله المشركون: اترك لنا صنماً واحداً وهو على الصفا، فنحن مستعدّون لأن نؤمن بك، ولكن اترك لنا هذا الصنم مدّة من الزمن حتى نروّض أنفسنا ثم نكسره.

السبب الثالث:أن المشركين قالوا لنبي صلى الله عليه وآله وسلم: تدعو إلى الله وتشتم آلهتنا؟ فأنت يمكنك  أن تدعوا إلى الله من غير أن تشتم آلهتنا. فكفّ عن شتمها، ولا تعبها وتفسد شبابنا.

السبب الرابع ـ وهو سبب يستدعي التوقف عنده قليلاً ـ: أن قريشاً قالوا له: لا ندعك تلمس الحجر الأسود إلّا أن تلم بآلهتنا. فقبل أن تلمس الحجر الأسود عليك أن تمرّ بأصنامنا وتتمسّح بها.

ويقول المفسرون: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما طلبوا منه ألّا يمسّ الحجر الأسود حتى يمرّ بآلهتهم، قال ف نفسه: إن الله يعلم أني كاره لهذا المعني، فل مانع من أن أمر  وأهمهم بأنني مررت بآلهتهم، لكي أمّر إلى ما هو أهم، وهو الطواف وعبادة الله، والتماس الحجر الأسود.

نظرة على السبب الرابع

وهنا يأتي هذا السؤال: هل ينافي ما همّ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم العصمة أم لا ينافيها؟ وهذا من قبيل: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، فما هم الهمّ هنا؟ هل هو تحرّك النوازع النفسيّة في نفسه بحكم كونه بشراً لولا العصمة؟ فكلمة ﴿لَوْلا﴾ هي حرف امتناع لوجود، ومعني ذلك: لو لا أنك معصوم لكنت انسقت معهم لذلك. فالله عندما يرسل نبياً فليس معنى ذلك أنه ينقطع عن ارتباطه بحكم كونه بشراً، وإنما تبقى له غرائزه ونوازعه البشرية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾، لكنه بشر معصوم لا يصدر منه الخطأ.

فلو أن معدتي أحسّت، وكان عندي دين، هل كنت أُشبعها من الحرام؟ كلا طبعاً. فكوني أعرف أن أكل مال الناس حراماً ليس معناه ألّا تتحرك معدتي بالجوع. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده همّ وعنده تحرّك وغرائز، والغرائز تخاطبه وتريد إشباعها، لكن الله يعصمه عن الوقوع بالخطأ. على أن يلاحظ أن عصمته لا تكون بالإجبار.

وبما أننا مررنا بهذا الموضوع فدعونا نلق عليه الضوء، فهناك ضجّة تثار، ومفادها أن الشيعة يقولون: إن أئمّتنا معصومون. في حين أن صاحب الضجّة يثبت العدالة لعشرات الآلاف من لصاحبة، فهم عدول لا يصدر منهم الخطأ، وإن صدر فهو اجتهاد، والمجتهد له أجر إن أخطأ. فإذا كان  من الممكن أن يكون الإنسان عادلاً ولا يصدر منه الخطأ، فلمَ يستكثرون علينا أن يكون إنسان معصوماً؟

ثم ما هي العصمة؟ العصمة هي الامتناع عن الخطأ، فلدى المعصوم القدرة على الإتيان بالفعل ولكنه لا يفعله، والقدرة على ترك الطاعة لكنه لا يتركها. فهو يستطيع ترك الصلاة ولا يتركها، ويستطيع أن يشرب الخمر ولا يشربه، لأن لديه لوناً من التربية العالية. وهذا هو اللطف الذي صنعه الله بالمكلف فجعله يمتنع عن إتيان القبيح وترك الواجب.

فإن كان كذلك فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تذهب عنه خواصّه البشريّة، ولا قلعت عنه نوازعه، فهو يهم أن يلبّي مطلبهم لو لا العصمة. وقد تكون هذه طريقة من باب (الوسائل والغايات)؛ فيتوسّل إليها بوسيلة الغاية. فالإنسان يستعمل الوسيلة كي يصل إلى الغاية.

وكمثال على ذلك أن الله تعالى نهى المؤمن أن يذلّ نفسه، ولكن في سبيل الإصلاح بين اثنين يمكن أن يذلّ نفسه، فيأتي إلى هذه ويخضع له قليلاً، ويذهب إلى ذاك ويفعل كذلك. فيلاحظ ما يترتب على المسألة من موضوع أهم يضحيّ بالمهم من أجل الأهمّ. وهذا من العناوين التي يستند إليها الفقهاء، وهو تقديم الأهمّ على المهمّ. وله تطبيقات كثيرة.

فكنت المسألة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الباب، فكان الأهمّ أن يرشد هؤلاء، والمهمّ أن يمرّ على الصنم ويحي إلى المقابل أنه كرّم هذا الصنم واحترمه. فهداية الناس أهمّ من المرور على الصنم. فلما همّ بذلك نزلت الآية تمنعه. فالنبي ما ارتكب شيئاً ينافي العصمة.

ومن ناحية ثانية فإن الهمّ الذي يحدث في داخل نفس الإنسان لا يؤاخذ عليه الإنسان  دون الفعل والقول. فلو دار في ذهني أن أرتكب معصية، ولم أتكلّم بها ولم أطبقها عملياً، فلا أؤاخذ عليها، يقول الحديث الشريف: (وُضع عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم يعمل به أو يتكلّم). فمجرد الخواطر التي تحدث في ذهن الإنسان لا يؤاخذ عليها إلّا إذا طبّقها بالقول والفعل.

هذه خلاصة أسباب النزول. ونعود الآن إلى الآية الكريمة، فالمجموع الذي نستفيده منها أن المشركين، حاولوا جرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطريقة أو بأخرى إلى تلبية مطالبهم. لكن الله عصمه عن أن ينزل إلى هذا المستوى.

يتبع…

الكاتب الدكتور الشيخ أحمد الوائلي

الدكتور الشيخ أحمد الوائلي

مواضيع متعلقة