الهجرة؛ ملامح نصر، ومشروع دولة ـ 11

img

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

من مظاهر التشريع المدني الإسلامي في المدينة

وقد ذكرنا أن تحقيق هذا الهدف ليس بالأمر السهل، لكن إصرار النبي الأكرم| على تحقيقه، وعلى امتثال الأمر الإلهي الوارد إليه بخصوصه نجد أنه| قد راح يعمل عملاً حثيثاً من أجل تحقيق هذا الأمر، وإبرازه إلى العالم الخارجي بعد أن كان يعيش في العالم الذهني عند المسلمين الأوائل وهم في مكّة المكرّمة؛ حيث لم تكن البيئة المكّية صالحة لإبراز هذا المشروع وإخراجه من عالم الأذهان إلى عالم الواقع والميدان. ومن هنا فقد برزت بوادر مظاهر المدنية والرقيّ في التشريع المدني الإسلامي في حقبة المدينة المنورة، وهو ما يمكن ذكر بعض مصاديق له، منها:

المظهر الأول: تشريع قصر الصلاة والإفطار في السفر

ولهذا فإننا نجد أن الإسلام الحنيف ـ بعد أن تركّزت مبادئه وقيمه ومثله في المجتمع المدني في يثرب، وبعد أن أصبح للسفر معنى موجّهاً، وليس معنى عبثياً كما هو حال الأعمّ الأغلب من أسفار الإنسان الجاهلي الذي كان يسافر من أجل الإغارة على القبائل الاُخرى، ومن أجل القتل والنهب والسلب، وسبي النساء والذراري، فإن الإنسان المدني قد أصبح يسافر سفراً موجّهاً؛ إما لأجل الجهاد في سبيل الله، أو لأجل عمل ما، أو لأجل منفعة معينة تتوقّف عليها سيرورة حياته بشكل طبيعي وصحيح وسليم ـ ارتأى أن يشرّع القصر في الصلاة تخفيفاً على الإنسان المسافر من عبء العبادة ووقعها عليه؛ حيث إن الأعمّ الأغلب من الأسفار سيما في تلك الأزمنة كانت تفتقر إلى الراحة والاستقرار والاطمئنان اللذين كانا مبعثاً ومدعاة واضحين وهامين لتشريع هذا الأمر في الصلاة، وهو القصر حيث أمر بأن تجعل الصلاة الرباعية ركعتين فقط، وكذلك تخفيف الصوم المبهظ والمثقل لكاهل الحاضر فضلاً عن المسافر.

فقهاء المسلمين وتشريعا القصر والإفطار

إن علماء المسلمين جميعاً ينصّون على أن أمر القصر في الصلاة، والإفطار في الصوم أمران واقعيان وموجودان في جملة التشريعات الإسلامية المختصّة بتنظيم الجانب العبادي من حياة الإنسان. ولهذا فإننا نجد أنهم ينصّون في مواطن كثيرة على أن النبي| كان إذا ما سافر قصّر، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن النبي الأكرم| لم يكن ليقصر للسفر فقط، بل إنه كان يقصر لأي عذر شرعي، كالمطر الشديد مثلاً، أو ما شاكل ذلك من الموارد التي ينصّ عليها هؤلاء الفقهاء. تقول السيدة عائشة زوج نبيّنا الأكرم|: أول ما فرضت الصلاة كانت ركعتين ركعتين، وبعد ذلك اُقرّت صلاة السفر ركعتين، واُتمّت صلاة الحضر أربع ركعات ذلك أنه لما قدم رسول الله| المدينة، وصل إلى كل صلاة مثلها غير المغرب فإنها وتر، وصلاة الصبح لطول قراءتها([1]).

وقال النبي الأكرم|: «صلّوا كما رأيتموني اُصلّي»([2]).

ولذا فإني أودّ هنا أن اُؤكِّد واُشير إلى أن هؤلاء الفقهاء قد اختلفوا فيما بينهم حول عنوان الحكم الذي يندرج تحته هذا القصر، فهم هنا على طائفتين:

الأولى: القائلة بالعزيمة

وهؤلاء هم فقهاء الشيعة الإمامية([3])، وفقهاء الأحناف([4])، والموالك([5]) حيث إن أصحاب هذا الرأي يفهمون من هذا الدليل الوجوب؛ ولذا فإن عندهم أن المصلّي يجب عليه أن يقصر من صلاته؛ فإن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، فهو واجب ومتعيّن على المصلّي. وهم إذ يرون ذلك فإنما أن الله تبارك وتعالى إنما أراد أن يمنح عباده رخصة لأجل التخفيف عنهم. ويستندون في مثل مسألة المقام ـ وهي عزيمية قصر الصلاة في السفر ـ إلى أمرين هامّين هما:

الأول: السنة العملية أو الفعلية

وهي أن النبي الأكرم| كان إذا سافر قصّر، ولم يتخلف عن هذه القاعدة في شيء من رحلاته ولا أسفاره.

الثاني: السنة القولية

وهي الجانب المتمثّل بطائفة الأحاديث الواردة عنه| في هذا الخصوص، والتي تعتبر تشريعاً واضحاً لهذا المقام، ومنها قوله|: «ليس من البر الصيام في السفر»([6])، الذي يستفاد منه أن المسافر لابدّ له من التقصير في صلاته. وغيره من الأحاديث الاُخرى الواردة في المقام.

الثانية: القائلة بالرخصة

وأبناء هذه الطائفة هم جميعهم من فقهاء أهل السنة، ويمثّلهم الشوافع([7]) والحنابلة([8]). وأصحاب هذا الرأي إنما يفهمون من الدليل: الاستحباب؛ فعندهم أنه يجوز للمصلّي أن يتمّ أو يقصر في السفر. فهؤلاء يرون أن الإنسان المسافر له أن يقصّر في السفر ويفطر، وله أن يتم صلاته ويصوم. ويستدلّون على مذهبهم الفقهي هذا بجملة من الروايات التي يرون أنها روايات ناهضة في المقام، ولها صبغة إمكان الاستدلال بها.

يتبع…

______________________

([1]) انظر: الخلاف 1: 570 / المسألة: 321. معرفة السنن والآثار 1: 475، 2: 73. مسند أحمد 6: 241، 265. صحيح مسلم 2: 142. سنن أبي داود 1: 269 / 1198.

([2]) عوالي اللآلي 1: 198 / 8، 3: 85 / 76. السنن الكبرى (البيهقي) 2: 345.

([3]) المقنع: 124 ـ 125. شرائع الإسلام 1: 101 ـ 102.

([4]) المبسوط 1: 237 ـ 238.

([5]) المدوّنة الكبرى 1: 208.

([6]) الانتصار: 192 / المسألة: 87. مسند أحمد 3: 319، 5: 434. سنن الدارمي 2: 9. سنن ابن ماجة 1: 532/ 1664 ـ 1665.

([7]) كتاب الاُم 1: 208.

([8]) الشرح الكبير 2: 90.

الكاتب ----

----

مواضيع متعلقة