الهجرة؛ ملامح نصر، ومشروع دولة ـ 10

img

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

المجتمع الحضاري والتشريعات المدنية

وبناء على ما ذكرناه آنفاً من الفروق الواسعة والشاسعة بين المجتمعين المدني والبدائي على أصعدة الحياة كافّة كانت انطلاقة الرسول الأكرم| التربوية في مجتمعه؛ حيث إنه| لم يركز ـ وهذه هي إرادة السماء ـ على الجوانب التشريعية المدنية المختصّة بتنظيم حياة الناس والمجتمعات إلّا في المدينة المنورة بعد أن انتقل إليها مهاجراً. ونحن نعرف أن المجتمع المدني بطبيعة الحال ـ وهو ما قررناه آنفاً ـ كان بحسب العادة أكثر تقبّلاً للأفكار والرؤى الجديدة إذا ما كانت أكثر نضجاً وفائدة وتنظيماً لحياته من العادات والتقاليد والنظم التي كانت حياته سائرة علىها. ومن هنا فإننا نجد أن التشريعات المدنية التي كفلت كلّ النظم التي تختصّ بإنشاء المجتمعات، وتحكم حركتها وسيرورتها كانت كلّها قد حصلت بعدُ في المجتمع المدني الذي كان يتّصف بصفتين، هما:

الاُولى: أن أغلبه سارع دون تردّد إلى الإيمان بهذا الدين الجديد بعد أن اتّضح له أنه يكفل له حياة أفضل، ويحقّق له وجوداً أفضل.

الثانية: أن البعض المتخلّف عن الدخول في الإسلام لم يقف بوجه الإسلام، أو بوجه النبي الأكرم| موقفاً محارباً، أو موقفاً مثل ذلك الموقف الذي وقفه عتاة قريش في مكّة من الروّاد الأوائل من المسلمين؛ حيث أخذوهم وسجنوهم وعذّبوهم، بل وصل الأمر مع بعضهم إلى القتل، لكنهم ـ أبناء مجتمع المدينة المنوّرة ـ اكتفوا بالموقف السلبي المرتكز إلى عدم الدخول في هذا الدين دون محاولة الوقوف بوجهه، أو بوجه من يريد الدخول فيه.

البحث الثالث: صعيد النفس

وهذا الصعيد يعتبر أهمّ الصعد التي ابتنت عليها هذه الحركة، وأكثرها تأثيراً؛ كونه يعني الحركة النفسية داخل الإنسان. ويمكن توضيح هذا بأن نذكر بأن أي إنسان مصلح أو داعية يريد أن ينتقل بأفراد مجتمع ما من حالة الظلام والبداوة إلى الحالة الحضارية فإنه سوف يصطدم بحاجز كبير جداً، وهو تعسّر، بل تعذّر إقناع هذا الإنسان أو هذا المجتمع بالأفكار والرؤى الجديدة، وبانعدام قابلية الوصول إلى غرز هذه القيم الجديدة في نفسيته أو في عقله. وبعبارة اُخرى: إن هذا الداعي أو المصلح سوف يواجه سوراً صلداً ومتيناً يحول دونه ودون أن ينتقل بهذا الإنسان البدائي من بداوته وغلظته، وقسوته وشدّته إلى مجتمع يتّصف بأنه مجتمع متحضّر مع ما يرافق ذلك من مفردات تلامس الدلالة اللغوية لهذا المجتمع من الرقّة الاجتماعية، والتعامل المبتني على احترام الآخر، وتبادل الأخلاق والقيم، وما إلى ذلك.

من لم يهتمّ باُمور المسلمين فليس منهم

وكمثال على هذا ما نجده عند بعض من عاصر النبي الأكرم محمداً| ممّن كانوا لا يزالون يتّسمون بسمات المجتمع الجاهلي، أو البدائي؛ فإنهم حتى بعد أن دخلوا في الإسلام لم يتغيّروا، بل لم يغيّر منهم كثيراً؛ لعدم تقبّل طباعهم هذه القيم؛ حيث إن القيم الجاهلية ورواسبها لازالت متغلغلة ومتوغّلة في نفوس البعض من المسلمين، ولم يكونوا قادرين على أن يتخلّوا عن عاداتهم وقيمهم التي ربوا معها، ونشؤوا فيها، ودرجوا عليها وهم يمارسونها حتى يصل بهم الأمر أن يقوم أحد الأعراب مع رسول الله| إلى الصلاة: فيقول والنبيّ الأكرم| في صلاته: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً. فلما سلّم رسول الله| قال للأعرابي: «لقد بخّلت كريماً»([1]).

فهو يريد رحمة الله تبارك وتعالى لرسول الله| وله؛ فجاءه الجواب والإنكار النبويان: لم تبخّل جواداً شأنه العطاء غير المتناهي، وإسباغ النعم الجسام بعد التفضّل بها؟

وهذا يعني أن رواسب العادات والتقاليد والقيم التي كانت ينطبع بها المجتمع الجاهلي لا زالت راسخة في أذهان البعض، وهو ما ينبئ عنه هذا الأثر الوارد في المقام الدالّ على نفس صغيرة ضيّقة الحدود، لا ترتاد رحاب الخالق، وتريد أن تنطلق في فضاء الله الرحب، ولا في اُفق العالم المتحضّر الذي أولجه فيه الإسلام؛ فنجد أنها نفس لا تتمنّى الخير لواحد من الناس، ولا تريد أن ينالهم ما يناله صاحبها.

وفي مقابل هذا نجد أن من يعيش في إطار المجتمعات المدنية المترفّعة عن اُطر الجاهلية يرفع شعار الإسلام نبراساً له: «من أصبح ولم يهتمّ باُمور المسلمين فليس بمسلم»([2]).

وهو شعار يمثل فارقاً كبيراً بين هذا الإنسان الذي اقتضت طبيعته أن يكون على هذه الشاكلة، وبين ذلك الإنسان الذي حددت طبيعته: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً. ومن هنا كان تأكيد النبي المصطفى الأكرم| على صعيد النفس في مسألة الهجرة؛ حيث إنه| راح يجسّدها تجسيداً ميدانياً وواقعياً وهو يقوم بعملية تنظيم المجتمع المدني. وهذا يتّضح من خلال حثّه| الخطا بخطوات ثابتة رصينة وإن كانت بطيئة نوعاً ما في هذا الطريق من أجل تحقيق هذا الأمر وإبرازه إلى النور؛ حيث إنه يمثّل إبراز المشروع الإلهي المقدّس على الأرض، والمتمثّل ببناء الدولة الإسلامية التي تعتمد أساساً على بناء مجتمع سليم معافى من الآفات والأغراض النفسية والاجتماعية.. مجتمع يتبنّى القيم والأخلاق السماوية الجديدة، ويمارس في حياته الطروحات الإلهية المختصة ببناء حياته الفردية والاجتماعية بعيداً عن كلّ اُطر الحياة الجاهلية، أو البدوية التي ينبغي عليه أن يخلّفها وراء ظهره، وهو يقوم بهذه النقلة النوعية التي أرادها دستور الإسلام الحنيف له.

إذن فالنبي الأكرم| من أجل إرساء قواعد هذا المشروع الإلهي على أرض الواقع، ومن أجل تحقيقه ميدانياً، نجد أنه راح يخطو تلك الخطوات الواثقة وإن كانت بطيئة كما أسلفنا، لكنها كانت كافية لتحقيق الغرض الأسمى الكامن وراءها، وهو نشر الإسلام الحنيف بين أبناء الكرة الأرضية، وإيصال صوت السماء إلى كلّ إنسان متطلّع يعيش على هذه الأرض؛ سواء على خطها الأفقي المتمثل بالعمق الجغرافي، أو على خطها العمودي المتمثل بالعمق الزمني.

يتبع…

_______________________

([1]) صحيح البخاري 7: 77. سنن أبي داود 1: 94 / 380، 202 / 882. الجامع الصحيح (سنن الترمذي) 1: 99 / 147. السنن الكبرى (النسائي) 3: 14. مسند الشاميّين 4: 174 / 3035. الجامع لأحكام القرآن 7: 332، وفيها: «حجّرت واسعاً».

([2]) الكافي 2: 163 و164، باب الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم، ح1 و4 ـ 5.

الكاتب ----

----

مواضيع متعلقة