مقالات دينية

الاختيار الإلهي ـ 11

الاختيار الإلهي ـ 11

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

الخامس: خيرته من الأوقات والأزمنة

أما أفضل الأوقات التي اختارها الله تبارك وتعالى، فمن الشهور شهر رمضان المعظم، فشهر رمضان المشرف هو أعظم الشهور وأحبها إلى الله تبارك وتعالى.

شرف شهر رمضان

وشرف هذا الشهر يكون على نمطين:

الأول: الشرف الذاتي

والمراد بالشرف الذاتي هنا هو أن الله تبارك وتعالى قد شرفه على الشهور جميعها كما ذكرنا، فأعطاه هذه الميزة العظيمة التي لم ينلها شهر آخر من الشهور؛ فكان بهذا شهر الله تبارك وتعالى. ونحن نعلم أن إضافة شيء إلى شيء تكتسب المضاف شرف المضاف إليه كما نقول: بيت الله، ليستمد قدسيته من قدسية الله سبحانه، وكذلك الحال هنا مع هذا الشهر المعظم الذي نسبه الله جل شأنه إلى نفسه، فسمي شهر الله جل شأنه مستمدّاً بذلك هذه القدسية العظيمة التي هي له سبحانه.

الثاني: الشرف العرضي

والمراد بالشرف العرضي هنا: أنه مفهوم يقع على جملة معانٍ تمثل موارد حصوله وتحقّقه في الواقع والمجتمع، وهذه الموارد هي:

أنه شهر التهجّد والعبادة

فالمورد الأول هو أن الله سبحانه وتعالى جعل من هذا الشهر ظرفاً لعبادته، وزمناً لعبادة اختص بها نفسه فقال: «كلّ عمل ابن آدم له غير الصيام؛ هو لي وأنا أجزي به»([1]). وهذا يعني أن هذا الشهر هو شهر عظيم وشريف قد اختص الله تبارك وتعالى به عبادة جعلها له جل شأنه فهو يجزي بها الصائمين. فهو إذن شهر التعبد والتهجد، وشهر الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى؛ لما ورد من الأدعية والعبادات والصلوات المختصة به، والتي تتأدى على مدى ليلتيه التسع والعشرين أو الثلاثين، كصلاة الألف ركعة، وصلاة جعفر وما إلى ذلك.

أنه شهر إعزاز الإسلام والمسلمين

والمورد الثاني هو أنه جل شأنه جعل فيه الأيام التي أعز بها الإسلام والمسلمين؛ حيث انتصروا بها في واقعة بدر، وحيث فتحوا مكة فيه. فهذان اليومان مما يزيدان هذا الشهر شرفاً؛ كونهما قد حققا إرادة السماء في نشر الإسلام وانتصاره على أعدائه في هذه الأرض.

أنه شهر نزول المصحف الشريف

والمورد الثالث هو أن القرآن الكريم قد نزل فيه على نبينا محمد| في ليلة القدر، أو نزل من السماء السابعة إلى السماء الرابعة.

أنه شهر تضمّن ليلة هي خير من ألف شهر

والمورد الرابع: هو أن فيه ليلة القدر التي هي أفضل أوقات العبادة؛ كونها أفضل الليالي على الإطلاق؛ فهي الليلة التي تكتب فيها على بني الإنسان المنايا والبلايا وما إلى ذلك مما يمكن أن يجري عليه سائر السنة.

شهادة نبيّنا الأكرم| في شهر رمضان

إذن فهذا الشهر هو أفضل الشهور، وهو أهم الشهور بالنسبة للإنسان؛ ولذلك فقد ورد في الحديث النبوي الشريف أنه| لما حضر شهر رمضان، وذلك في ثلاث بقين من شعبان قال لبلال: «نادِ في الناس». فجمع الناس، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس إن هذا الشهر قد خصكم الله به، وهو سيد الشهور، ليلة فيه خير من ألف شهر، تغلق فيه أبواب النار، وتفتح فيه أبواب الجنان. فمن أدركه ولم يغفر له فأبعده الله، ومن أدرك والديه ولم يغفر له فأبعده الله، ومن ذكرت عنده فلم يصلِّ علي فلم يغفر الله له فأبعده الله»([2]).

وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر يفتح أبواب السماء لمناجاة المناجين ودعوات الداعين، وصلوات المصلين، وتنسك المتنسكين، وعبادة المتعبدين، فهو شهر يمثل مائدة السماء على الأرض التي تحفل بكل ألوان الطيبات. وقد ورد في بعض الروايات أن الله تبارك وتعالى يفتح مائدته في هذا الشهر ويدعو عباده إلى الإقبال عليها، يروى أن رسول الله| قال فيه: «يصدر النداء من ملكين من قبله تعالى: هل من تائب فيتاب عليه؟ هل من سائل فيعطى؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من طالب حاجة فتقضى له؟ فأجيبوا داعي الله، واطلبوا الرزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ فإنه أسرع في طلب الرزق من الضرب في الأرض، وهي الساعة التي يقسم الله فيها الرزق بين عباده»([3]).

 وإذا كانت الأبواب التي يقف عليها الإنسان في الدنيا طالباً من أصحابها شيئاً أو متاعاًَ من الممكن أن تشعره بالذل والخضوع والهوان وإراقة ماء الوجه وإراقة الكرامة، أو لا أقل من أن يحصل عند الإنسان شعور بذلك فيتملّكه، عنوانه الذل والخضوع والهوان كما ذكرنا، فإن باب ربّ الأرباب سبحانه وتعالى أوسع الأبواب، ومائدته الكريمة جلّ شأنه سيما في هذا الشهر الكريم العظيم لا يمكن أن يستشعر معها الإنسان أي شيء من تلك المشاعر التي مر أنه يستشعرها بوقوفه على أبوابا العباد، فباب الله سبحانه مفتوح لسائليه لا يردّ سائلاً، ولا يخيّب آملاً، والله سبحانه إذ يعطي فإنما يعطي كثيراً، وإذ يمنح فإنما يمنح جزيلاً ووفيراً؛ لأن عطاءه سبحانه وتعالى غير منقوص ولا مجذوذ؛ فنحن كلنا من عطاء الله تبارك وتعالى، ووجودنا فيض من فيوضاته جلّ وعلا، وحياتنا نعمة من نعمه جل شأنه، وتبارك جدّه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ([4]). ولذا فإن أحد الشعراء ينادي ربه مجسدا هذا المعنى الشريف بلوحة أدبية رائعة حيث يقول:

ربّ روحي طليقة في مناجا *** تك والجسم مصْفَدٌ مكبولُ

بَعُدَ الفرق بين روحي وجسمي *** جسدي آثمٌ وروحي بتولُ

وأنا السائل الملحّ ويجلو *** وحشة الذلّ أنك المسؤولُ ([5])

فليس عيباً أن يقف الإنسان على باب الله جل شأنه؛ لأن بابه سبحانه كله عطاء للسائلين، بل هو عنوان الرحمة، وهو الباب الذي لا يستتبع الواقف عنده لون من ألوان الذلّ مطلقاً؛ لأن الله تبارك وتعالى كما ذكرنا كله عطاء، وهو سبحانه محض الخير ومحض الرحمة والشفقة والرأفة (نسأل الله تبارك وتعالى ألّا يحرمنا من رحمته في هذه الليلة الكريمة وفي أمثالها من ليالي الله؛ فكل لياليه كرم وخير).

إذن فليلة القدر الشريفة هي أفضل ليالي شهر رمضان المبارك، وهذا الشهر هو أفضل الأوقات عند الله سبحانه، وكما أنه تبارك وتعالى اختار من الأوقات شهر رمضان، فقد اختار من هذا الشهر الشريف هذه الليلة المباركة الكريمة، وهي ليلة القدر المباركة التي هي ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ([6])، والتي يقدر فيها الله تبارك وتعالى البلايا والمنايا، والأرزاق والعطايا كما مرّ بنا آنفاً.

يتبع…

________________

([1])فضائل الأشهر الثلاثة: 134 ، المجازات النبويّة : 190 ، صحيح البخاري 2: 228 ، 7: 61 ، صحيح مسلم 3: 157 ، سنن ابن ماجة 1: 525 ، 2: 1256 ، السنن الكبرى ( النسائي ) 4: 163 ، 164.

([2])الكافي 4: 67 / 5، من لا يحضره الفقيه 2: 95 – 96 / 1832، الأمالي: 113 – 114 / 92، ثواب الأعمال: 65، ص 66 – 67، فضائل الأشهر الثلاثة: 74 / 55، روضة الواعظين: 340، تهذيب الأحكام 4: 192 – 193 / 549، الكامل (ابن عدي) 6: 381.

([3]) الخصال: 616، تحف العقول: 106، وسائل الشيعة 7: 67 ـ 68 / 8746، بحار الأنوار 10: 94، 80: 26 – 27، 90: 343 – 344. وفي الجميع أنه ليس بخصوص ليلة القدر، بل هو في غيرها؛ ففيها جميعاً: «من كانت له إلى ربه عز وجل حاجة فليطلبها في ثلاث ساعات: في يوم الجمعة. وساعة تزول الشمس حين تهب الرياح وتفتح أبواب السماء، وتنزل الرحمة، ويصوت الطير. وساعة في آخر الليل عند طلوع الفجر».

([4]) النحل: 53.

([5]) جميع دواوين الشعر العربي / ديوان بدوي الجبل 59: 344.

([6]) القدر: 3.



في رحاب الزيارة الجامعة ـ 05

في رحاب الزيارة الجامعة ـ 05

جاء في الزيارة الجامعة الشريفة: «ووكَّدتم مِيثاقه».

نتطرَّق من خلال هذه الكلمة إلى ما يلي:

١) ما معنى كلمة «وكَّدتم»؟

٢) ما معنى الميثاق؟

٣) بِمَ فُسِّرَ الميثاق في هذه العبارة؟

٤) ما هي خصوصيات الحجر الأسود؟

وكَّدتم: مِن التوكيد بمعنى التَّأكيد وهي التقوية والتَّوكيد أفصح من التَّأكيد.

الميثاق: هو العهد الموثَّق، مِنَ الوثاق وهو في الأصل الحبل الذي يُقيَّد ويُشدُّ به، سُمِّي به العهد لوثاقته واستحكامه وأهل البيت^ مِمَّن اتصفوا بتقوية عهد الله والتزموا بالوفاء بميثاق الله، إذ هم أطوع الخلق لله تعالى فكانوا أوفى بميثاقه.

وفُسِّرَ المِيثاق في هذه الكلمة بتفسيرين وهما ما يلي:

١) المِيثاق: هو الذي أخذه الله مِن النَّبيين بالدَّعوة للتوحيد وتبليغ الرِّسالة وإعلاء الكلمة وهو ما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب: 7).

وأهل البيت^ كانوا في أعلى درجات هذا الميثاق كما يشهد له جهودهم وجهادهم إلى أنْ وقعت شهادتهم.

٢) الميثاق: هو الذي أخذه الله من بني آدم في عالم الذر فقال تعالى: ﴿وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَني‏ آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلي‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّکُمْ قالُوا بَلي‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا کُنَّا عَنْ هذا غافِلينَ﴾ (الأعراف: 172). وأهل البيت^ أسبق الخلق وأوفاهم بهذا الميثاق.

وهنا عدة أمور مهمة حول هذا الميثاق وهي ما يلي:

١) هذا الميثاق سجَّله وأثبته كما في علل الشرائع ص٤٢٣ وقد كتب أسماء عبيده في رق وهو جلد رقيق كتب فيه وأودعه في الحجر الأسود وكان لهذا الحجر عينان ولسانان وشفتان لأنه كان يومئذ قبل تبديله إلى هذه الصورة مَلَكًا من ملائكة الله العظام فقال له: افتح فاك ففتح فاه فألقمه ذلم الرق ثم قال له: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة وسيشهد ولهذا استحب للطائف حول الكعبة وللداخل إلى المسجد الحرام واستلام الحجر وأن يقول عنده مشيرا إليه: «أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة».

٢) هذا الحجر أنزله الله من الجنة: كما في كتاب سفينة البحار ج٢ ص٢٣٥ وقد أنزله مع آدم× وهو بأرض الهند حتى وافى به مكة فجعله في ركن البيت.

٣) هذا الحجر صخامته ٣٠ سنتميترًا ووزنه ٢ كيلو غرام وهو أخف من الماء لذا لا يرسب في الماء وهو ضد النار لذا لا يتأثر بالحرارة ولا يحترق بالنار بالرغم من إصابته بالحريق عدة مرات.

٤) هذا الحجر يمين الله في أرضه كما في كتاب أحكام الحج وأسراره ص٩٨ أنه جاء في الحديث: «أنه يمين الله في أرضه يصافح بها خلقه» فيجدر تعظيمه وتقبيله واستلامه.

٥) أنَّ هذا الحجر تكلم ونطق كما روي في الكافي ج١ ص٣٩٨ عن زرارة والكابلي: «أنطق الله الحجر الأسود وشهد بإمامة زين العابدين×».

وصلى الله على محمد وآل محمد

حسين آل إسماعيل



الاختيار الإلهي ـ 10

الاختيار الإلهي ـ 10

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

المحور الثاني: روايات الدفن فيها

يروي المحدّثون روايات كثيرة تمنح هذه البقعة المشرفة فضيلة وأفضلية على غيرها في الدفن فيها؛ فهذه الروايات المتعددة تمنح هذا البلد الحرام أفضلية الدفن فيه ومنها:

أولاً: عن علي بن سليمان قال: كتبت إلى الإمام× أسأله عن الميت يموت بعرفات: يدفن بعرفات، أو ينقل إلى الحرم، فأيهما أفضل؟ فكتب×: «يحمل إلى الحرم ويدفن؛ فهو أفضل»([1]).

ثانياً: ومنها ما عن هارون بن خارجة قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: «من دفن في الحرم أمن من الفزع الأكبر يوم القيامة». قلت: من برّ الناس وفاجرهم؟ قال×: «نعم من بر الناس وفاجرهم»([2]).

ثالثاً: ومنها قوله×: «من دفن في الحرم أمن من الفزع الأكبر من برّ الناس وفاجرهم»([3]).

رابعاً: وقال الإمام الصادق×: «قال رسول الله|: من مات في أحد الحرمين مكة والمدينة لم يعرض ولم يحاسب»([4]).

المحور الثالث: روايات دحو الأرض من تحتها

ولذا فإن علماء المسلمين يذهبون إلى أن الأرض قد دحيت من تحتها، ويروون بهذا روايات عدة منها:

الاُولى: ما عن الإمام الحسين بن علي÷ قال: «كان علي بن أبي طالب× بالكوفة في الجامع إذ قام إليه رجل من أهل الشام، فقال: يا أمير المؤمنين، انى أسألك عن أشياء… قال: فلم سميت مكة أم القرى؟ قال: لأن الأرض دحيت من تحتها»([5]).

الثانية: قال الإمام الصادق×: «إن الله خلق البيت قبل الأرض، ثم خلق الأرض من بعده، فدحاها من تحته»([6]).

الثالثة: وعن الإمام الباقر× أنه قال: «لما أراد الله تعالى أن يخلق الأرض، أمر الرياح فضربن متن الماء… ثم دحا الأرض من تحته، وهو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾([7])، فأول بقعة خلقت من الأرض الكعبة، ثم مدت الأرض منها»([8]).

الرابعة: قال الإمام الرضا×: «علة وضع البيت وسط الأرض أنه الموضع الذي من تحته دحيت الأرض»([9]).

بين مكة والمدينة

وفي مقابل هذا الرأي نجد في تراث المسلمين رأيا آخر يذهب أصحابه إلى أن المدينة المنورة أشرف من مكة المكرمة؛ لأن المدينة المنورة ضمت بين جنبيها الأشرف والأفضل وهو النبي الأكرم محمد بن عبد الله| فهو أفضل الكل وأشرفهم، ومن يلامس الأشرف فهو الأشرف. نعم، إن التراب الذي لامس جسد أشرف الموجودات وعلتها الغائية هو حتماً سوف يكون أشرف الأمكنة وأشرف البقاع؛ إذ إنه يستمد ذلك الشرف وتلك القدسية من ملامسته لهذا الجسد الشريف الطاهر[10].

يتبع…

____________________________

([1]) الكافي 4: 543 / 14، وسائل الشيعة 13: 287 / 17763

([2]) المحاسن 1: 72 / 147، الكافي 4: 258 / 26.

([3]) من لا يحضره الفقيه 2: 229 / 2272.

([4]) الكافي 4: 548 / 5، وسائل الشيعة 14: 333 – 334 / 19337.

([5]) الكافي 4: 189 / 5، علل الشرائع 2: 593 / 44، عيون أخبار الرضا× 1: 218 / 1، التبيان في تفسير القرآن 1: 22، 2: 535، مجمع البيان 2: 348، 4: 110، بحار الأنوار 10: 76، 54: 64 / 35، وسائل الشيعة 13: 240 / 17643، جامع البيان عن تأويل آي القرآن 1: 73 – 74، الكشف والبيان عن تفسير القرآن 1: 127، 4: 169، تفسير السمعاني 2: 125، 5: 64، معالم التنزيل في تفسير القرآن 2: 115، مدارك التنزيل وحقائق التأويل 3: 242، الجامع لأحكام القرآن 16: 6. وفي اُخرى: «لأن الأرض دحيت من تحتها؛ فكانت اُمّاً لها». التبيان في تفسير القرآن 4: 201.

([6]) بحار الأنوار 54: 64 / 40.

([7]) آل عمران: 96.

([8]) تفسير العياشي 1: 186 / 91، تفسير القمي 2: 96، الكافي 4: 189 ـ 190 / 7، من لا يحضره الفقيه 2: 241 / 2296.

([9]) بحار الأنوار 54: 64 / 39.

[10] وقد مر في الأجزاء السابقة مناقشة هذا الرأي.



في رحاب الزِّيارة الجامعة ـ 04

في رحاب الزِّيارة الجامعة ـ 04

جاء في الزِّيارة الجامعة الشَّريفة: «وسُلالة النَّبيين».

نتطرق من خلال هذه الكلمة إلى جانِبين وهما ما يلي:

أولاً: ما هو معنى كلمة «السُّلالة»؟

ثانياً: ما هو الدليل أنَّ أهل البيت سلالة النبيين؟

السَّل: جاء في كتاب في كتاب مستطرقات السرائر ج٣ ص٥٧٥: «هو عبارة عن انتزاع الشيء وإخراجه برفق، يُقال: سللتُ السَّيف من الغمد أي انتزعته وأخرجته منه، ومنه أُخِذَت السُّلالة بضمِّ السِّين».

فُسِّرَت كلمة «السُّلالة» بتفسيرين وهما ما يلي:

١) السُّلالة بمعنى الولد: كما في كتاب لسان العرب ج١١ ص٢٣٩ لابن منظور مرويٌّ عن الأخفش: «سليل بمعنى الولد فيُطلق على الذَّكر سليل وعلى الأنثى سليلة».

فسّلالة النبيين: أي أولاد النَّبيين.

٢) السُّلالة بمعنى الخلاصة: كما في كتاب مجمع البحرين للطريحي مادة سلل ص٤٧٩: «فسلالة النبيين أولادهم والخلاصة المأخوذة منهم».

وهذه هي صفة أهل البيت^ الذرية المصطفاة والسلالة المنتقاة من أنبياء الله الكرام ورسله العظام.

﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 33 ـ 34).

فهناك روايات متظافرة من الخاصة والعامة تُفسِّر الآية المذكورة أعلاه بهم وبالإمكان الرجوع إلى عدة مصادر للاطلاع على هذه الروايات منها ما يلي:

١) غاية المرام ٣١٨

٢) تفسير البرهان ج١ ص١٧١

٣) تفسير الصافي ج١ ص٣٢٨

وجاء في بحار الأنوار ج١٥ ص١١٠ قال: «فهم بحقٍّ سلالة الأنبياء وذرية الأزكياء من الشامخين أصلاباً ومن الطاهرات أرحاماً ، كما تلاحظ نسبهم السامي المنبثق من رسول الله أبي القاسم بن عبد الله… الخ».

وصلى الله على محمد وآل محمد

حسين آل إسماعيل



الاختيار الإلهي ـ 09

الاختيار الإلهي ـ 09

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

مكة المكرمة أشرف البقاع

إن من المعلوم أن أفضل الأمكنة والبقاع على هذه الأرض هي البلد الأمين مكة المكرمة، فهي أفضل بقعة اختارها الله عز وجل ليجعل منها مكاناً لبيت عبادته الذي يقصده الناس للحج والعبادة؛ فكانت بهذا الاعتبار ومن هذا المنطلق سيدة البقاع فليس هنالك من بقعة أشرف منها. وقد وردت روايات كثيرة في فضل هذه البقعة الطاهرة المشرفة، سوف نتناولها إن شاء الله سبحانه على مساحة المحاور الثلاثة التالية بشيء من الاختصار وفق ما تقتضيه طبيعة المقام:

المحور الأول: روايات فضلها

يروي المؤرّخون والمحدّثون في فضل هذه البقعة الطاهرة المقدّسة عدة روايات منها:

الاُولى: أنهم يذكرون أن النبي الأكرم| حينما أراد أن يخرج من مكة ذهب إلى الحجر الأسود واستلمه، ووقف في قلب البيت الحرام وأدار وجهه إلى الكعبة وقال: «الله يعلم أنّني اُحبّك، ولولا أن أهلك أخرجوني عنك لما آثرت عليك بلداً»([1]).

ففراق الوطن صعب جدّاً، وفي ذلك يقول الشاعر:

وكنّا ألفناها ولم تك مألفاً *** وقد يُؤلف الشيء الذي ليس بالحسنْ

كما تؤلف الأرض التي لم يطب بها *** هواء ولا ماء ولكنّها وطنْ([2])

الثانية: وفي فضل مكّة المكرّمة ما ورد عن الإمام باقر علم الأنبياء والمرسلين× من قوله: «الساجد بمكة كالمتشحّط بدمه في سبيل الله»([3]).

وقوله×: «من جاور سنة بمكّة، غفر الله له ذنبه ولأهل بيته ولكل من استغفر له ولعشيرته ولجيرانه ذنوب تسع سنين وقد مضت وعصموا من كل سوء أربعين ومئة سنة»([4]).

 الثالثة: وروي عن الإمام الصادق× أنه كان يقول: «ما من بقعة أحبّ إلى الله تعالى من المسعى؛ لأنه يذلّ فيه كلّ جبار»([5]).

الرابعة: وعن جابر الجعفي عن الإمام أبي عبد الله الصادق× عن آبائه^ قال: «إن الله اختار من الأرض جميعاً مكة، واختار من مكة بكة فأنزل في بكة سرادقاً من نور محفوفاً بالدر والياقوت»([6]).

وقد جاءت أهمية الكعبة المكرمة من كونها أول بيت وضع لعبادة الناس على هذه الأرض، فهي أقدم بيت عرفه الإنسان الموحد الذي يتوجه بعبادته إلى الله تبارك وتعالى كما نص على ذلك القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾.

الدوانيقي يستنجد بالإمام الصادق×

 وقد استشهد الإمام الصادق× بهذه الآية الكريمة أيام المنصور الدوانيقي الذي حضر سنةً الحج، فرأى المسجد يضيق بالمصلين، فعزم على أن يوسعه. وكما نعلم فإنه كانت هنالك بيوت ملاصقة للمسجد، ولا يتم توسيع المسجد إلّا من خلال رفع هذه البيوت أو نقضها، فأرسل المنصور خلف أصحابها وعرض عليهم بيعها وأن ينقدهم ثمنها؛ حتى يوسع المسجد بذلك، فرفضوا معللين رفضهم بأنهم معتزون ببيوتهم الملاصقة للبيت الحرام، وأنه موقع لا يمكن أن يجد مثله. ونحن نعرف أن من شأن المنصور أنه إذا ما أراد شيئاً، فإنه لا يعجز عنه ـ إلّا أن تشاء السماء إعاقته عن ذلك ـ باستخدام القوة أو الحيلة والمكر والدهاء، لكنه عرف أن القوة والمكر والدهاء في مثل هذه المواطن لا يمكن أن تفلح أو أن تنجح؛ لأن أخذ هذه البيوت بهذه الصورة، وعن طريق القهر والغلبة يعتبر تصرّفاً غير شرعي، وبالتالي فإن الصلاة لا تجوز فيها؛ لأنها صلاة باطلة؛ كونها صلاة في ملك مغصوب.

عجوز تسفّه أميراً

ومن باب الشيء بالشيء يذكر يروى أن أحد الاُمراء أراد توسيع قصره، وكانت التوسعة تطال كوخ عجوز قريب من قصره، فدفع لها فيه عشرين ديناراً فأبت، فزادها عشرين فأبت، فراح يزيد لها حتى أوصلها إلى مئتي دينار وهي تأبى بيع كوخها، فقال لها: سوف أرفع أمرك إلى القاضي، وأحجر عليك، وآخذ كوخك. فقالت: لم؟ قال لأنك سفيهة؛ إذ رفضت بيع كوخ ثمنه عشرون ديناراً بمئتي دينار. فقالت: بل أنت السفيه أيها الأمير. قال: كيف تجرؤين على قول ذلك؟ قالت نعم أجرؤ، وأنت سفيه؛ لأنك تدفع مئتي دينار بما ثمنه عشرون ديناراً.

وعلى أية حال فإن المنصور استشار الإمام الصادق× في هذا الأمر فجاءه الجواب من الإمام الصادق× شافياً مقنعاً مدعّماً بالدليل الذي لا يهتدي إليه إلا دُعُم مدرسة الإسلام وأساطينها، وتلاميذ السماء أهل البيت^، تقول الرواية: إن أبا جعفر بعد أن عرض على جيران البيت الحرام من أهل مكّة المكرّمة شراء بيوتهم منهم؛ ليزيدها في المسجد، أبوا، وبعد أن أرغبهم وامتنعوا، ضاق بذلك الأمر، وغمّه غمّاً شديداً، فقصد الإمام أبا عبد الله×، فقال له: إني سألت هؤلاء شيئاً من منازلهم وأفنيتهم لنزيد في المسجد، وقد منعوني ذلك، وقد غمني غمّاً شديداً.

فقال أبو عبد الله×: «أيغمك ذلك وحجتك عليهم فيه ظاهرة؟». فقال: وبم أحتجّ عليهم؟ فقال×: «بكتاب الله». فقال: في أي موضع؟ فقال×: «قول الله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾؛ قد أخبرك الله أن أول بيت وضع للناس هو الذي ببكة، فإن كانوا هم تولّوا قبل البيت فلهم أفنيتهم، وإن كان البيت قديماً قبلهم فله فناؤه».

ولمّا دعاهم أبو جعفر الدوانيقي، واحتجّ عليهم بما نفحه به وارث علوم السماء الإمام الصادق× من حجّة بالغة وأدلّة دامغة لا تقبل الرد؛ لاستنادها إلى كتاب السماء، قالوا له: اصنع ما أحببت إذن. وأقرّوا بذلك له، وفوضوه عندها التصرّف في تلك البيوت، فعوّضهم تعويضاً كافياً عنها، ثم أخذها فأدخلها في المسجد ([7]).

أما بعض الروايات فتذكر أن هذه الحادثة قد حصلت مع ولده الإمام الكاظم× والمهدي؛ ذلك أنه لما بنى المهدي في المسجد الحرام، بقيت دار في تربيع المسجد، فطلبها من أربابها فامتنعوا، فسأل عن ذلك الفقهاء، فكل قال له: انه لا ينبغي أن يدخل شيئاً في المسجد الحرام غصباً. فقال له علي بن يقطين: يا أمير المؤمنين، لو كتبت إلى موسى بن جعفر×، لأخبرك بوجه الأمر في ذلك. ثم ذكر القصة ([8]).

 وهذا الجواب من الإمام× يدل على عقلية تقنينية، وعلى قدرة عالية في تحليل الظروف والوقائع والمناخات المحيطة بالحادثة حتى يجد لها الحل الصحيح والمناسب المبتني على أحكام الإسلام وقوانين السماء؛ ومن هنا كان آل محمد| شريحة لا نظير لها أبداً؛ لما لهم من إجابات علمية ومنطقية عجيبة ومقنعة في مثل هذه المواقف الصعبة التي لا يمكن أن يصل إليها غيرهم كما رأينا ذلك من خلال متابعة سيرتهم ومناقشاتهم ومحاجّاتهم مع غيرهم([9]).

رجع

وموضع الشاهد من هذا هو أن الإمام× قد استدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ الذي ينص على أنه (أعلى الله تعالى شأنه) أول البيوت، وهو أشرفها؛ كونه بيتاً مباركاً.

يتبع…

___________________________

([1]) مستدرك وسائل الشيعة 9: 334 /11030، 346 ـ 347/ 11046، مسند أحمد 4: 305.

([2]) شرح نهج البلاغة 20: 91.

([3]) المحاسن 1: 68 / 132، من لا يحضره الفقيه 2: 228 / 2262، وسائل الشيعة 13: 289 / 17770، بحار الأنوار 96: 82 / 34.

([4]) من لا يحضره الفقيه 2: 227 / 2260، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء 2: 153، الوافي 12: 50 / 11494.

([5]) بحار الأنوار 96: 45 / 34.

([6])تفسير العياشي 1: 29 / 22.

([7])تفسير العياشي 1: 185 – 186 / 89، البرهان في تفسير القرآن 1: 657 – 658 / 1814، بحار الأنوار 96: 83 – 84 / 41.

([8]) تفسير العياشي 1: 186 / 90.

([9]) ومن أراد أن يطلع على احتجاجاتهم^ البالغة وأدلّتهم الدامغة، فلينظر كتاب الاحتجاج للطبرسي+.



ذِكرى استشهاد الإمام الصادق ٢٥ شوال

ذِكرى استشهاد الإمام الصادق ٢٥ شوال

حسين آل إسماعيل

رُوِيَ عن رسول الله| أنَّه قال: «إِذا وُلِدَ ابني جعفرُ بنُ محمد بنُ عليِّ بنُ الحسين بنُ عليِّ بنُ أبي طالب فسمُّوه الصَّادق».

انطلاقاً من هذه الرّواية نتحدَّثُ في ثلاث نقاطٍ وهي ما يلي:

١) ما معنى كلمة جعفر في اللغة؟

٢) مَنِ الذي لقَّب الصَّادق بالصَّادق؟

٣) لماذا اختصَّ الإمام بلقب الصادق؟

أمَّا ما يعود إلى بيان النقطة الأولى فإنَّ كلمة جعفر تُطلق على عدَّة معانٍ وهي ما يلي:

١) تُطلق كلمة جعفر ويُرَاد بها كلُّ ناقةٍ كثيرة اللبن: وقد جسَّد أحدُ الشُّعراء هذا المعنى في أرجوزة شعريَّة فقال:

لي ناقةٌ كثيرة اللبن *** فمُذ أراها ينجلي الحزَنْ

تسرُّني وكلّ مَنْ يرى *** أسميتُها كالعُرب جعفرا

٢) تُطلق كلمة جعفر ويُرَاد بها النَّهر: واختلفوا في هذا النَّهر على عدَّة أقوال وهي ما يلي:

أ) اسمُ نهرٍ في الجَنَّة: رُوِيَ عن الإمام الكاظم× أنه قال: «إِنَّ في الجنَّة نهراً يُقال له جعفر على شاطئه الأيمن درَّة بيضاء فيها ألف قصر وفي كل قصر ألف قصر لمحمد وآل محمد».

وقد أبدعَ أحدُ الشُّعراء في تضمين هذه الرواية في ابيات شعريَّة رائعة جدّاً فقال:

إِنَّ في الجنَّة نهراً *** منه هذا العقل يُبهَرْ

فهو الأعذبُ ماءً *** عسلٌ من دون سكَّرْ

ألفُ قصرِ ساحلاهُ *** قِفْ وصِحْ اللهُ أكبرْ

ولقد سمَّاهُ ربِّي *** في جِنانِ الخُلد جعفرْ

ب) كلُّ نهرٍ صغير يُسمَّى جعفر.

ج) كلُّ نهرٍ كبير يُسمَّى جعفر.

لكنْ ما هي العلاقة أنَّ كلمة جعفر يُراد بها النهر وبين اسم الإمام جعفر×؟

الجواب: العلاقة من عدة جهات وهي ما يلي:

أ) كما أنَّ النهر يُغذِّي الأرض بالماء فتنتج النباتات والفواكه فيتغذَّى بها الإنسان فيقوى جسده وينمو ، كذلك الإمام المعصوم مثل النهر لكنه يغذِّي الروح ويقوِّي النفس.

ب) الماء يُزيل العطش المادِّي والإمام المعصوم يُزيل العطش المعنوي والإيات تشهد بأن الأئمة^ هم الماء الحقيقي:

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾(الملك: 30).

فُسِّرت كلمة الماء في هذه الآية بتفسيرين:

النفسير الأول: أنَّ الماء يُراد به هذا الماء الذي يجري في الأنهار والجداول وغيرها.

التفسير الثاني: أنَّ الماء هو الإمام المعصوم فيكون معنى الآية: «قل إن أصبح ماؤكم غوراً يعني غائباً فمن يأتيكم بعلمٍ حقيقي».

فجعفر اسمٌ لامعٌ في سماء العِلم والمعرفة، والأسماء قد يكون لها معانٍ ولذلك قال الإمام الصادق× لرجل يُسمَّى ضُريس الكناني: «لِمَ سمَّاكَ أبوك ضُريساً؟». فقال: كما سمَّاك أبوك جعفراً. فقال له الإمام الصادق×: «إنَّ ضُريساً اسم شيطان فلو كان أبوك يعلم باسم ابن الشيطان لمَا سمَّاك به».

وهذا من جملة الحقوق التي للولد على أبيه أن يحسن تسميته.

وأمَّا ما يعود إلى بيان النقطة الثانية فهناك قولان فيمن لقب الإمام الصادق× بلقب الصادق وهما ما يلي:

١) أنَّ الذي لقبه بالصادق هو الخليفة أبو جعفر المنصور: وهذا القول لأبناء العامة وذلك أنَّ أبا مسلم الخراساني سأل الإمام الصادق× عن مسألة فقال له يوماً: دُلَّني على قبر جدك علي بن أبي طالب. فقال له الإمام الصادق×: «هذا لا يُعرف إلا في زمان المنصور». فلما استلم المنصور الخلافة جاء له أبو مسلم الخراساني وقال له: إني سألتُ الصادق عن قبر جده علي بن أبي طالب فقال: إنَّ قبره يُعرف في زمانك. فقال له المنصور: هو الصادق هو الصادق.

وهذا الرأي غير صحيح لأن قبر أمير المؤمنين× لم يُعرف في عهد المنصور وإنما عُرِف في عهد هارون الرشيد.

٢) أنَّ الذي لقَّبه بالصادق هو جدُّه رسول الله: وهذا قول الإمامية والرواية مأثورة وهي أنَّ رسول الله| قال: «إذا وُلِدَ ابني جعفر بن محمد فسمُّوه الصادق».

وأمَّا ما يعود إلى بيان النقطة الثالثة فهناك ثلاثة أسباب في تلقيبه بالصادق وهي ما يلي:

١) للتمييز بينه وبين جعفر بن الإمام الهادي: لأنّ جعفر بن الإمام الهادي ادَّعى الإمام كذباً فحتى يميز النبي| بين مَن يدَّعيها بالكذب وبين مَن يدَّعيها بالصدق لقَّبه بالصادق.

٢) لِصدق مَذهبه: لأنَّ في عصر الإمام الصادق× وُجِدَتْ عدَّة مذاهب ولكن أصدق هذه المذاهب هو المذهب الجعفري وجميع المذاهب الأخرى عيال عليه ودرسوا بين يديه وحثوا بالركب عنده ونهلوا من علومه واغترفوا من معارفه.

٣) لِصدقه في القول والفعل والعمل: ولذلك أنت مأمور بالنص القرآني أن تكون معهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾( التوبة: 119).



في رحاب الزيارة الجامعة ـ 03

في رحاب الزيارة الجامعة ـ 03

جاء في الزيارة الجامعة الشريفة: «وَفَصْلُ الخِطَابِ عِنْدَكُم».

الفَصْل: جاء في المفردات ص٣٨٠: «هو إبانة أحد الشيئين من الآخر حتى يكون بينهما فُرجة».

الخطاب لغة: جاء في كتاب مجمع البحرين ص١١٣: «الخِطاب: هو توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، وقد ينقل إلى الكلام الموجَّه».

وفي كتاب الأنوار اللامعة ص١٣٨: «فُسِّرَ الخطاب: بالخطاب الفاصل بين الحق والباطل».

فتكون إضافته من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي الخطاب الفصل، نحو: كريم الأب، وطيب النفس.

وقد ورد في الأخبار أنَّ الأئمة^ هم فصل الخطاب كما رُوِيَ في مرآة الأنوار ص١٧٦ عن الباقرين’: «نحن فصل الخطاب ودلالة الخبر».

وقد ذكروا في معنى فصل الخطاب معانٍ متعددة منها ما يلي:

المعنى الأول/ المعرفة بجميع اللغات: كما أعطي سليمان× بما فُسِّرَ به قوله تعالى في سورة ص آية ٢٠: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (ص: 20).

رُوِيَ في بحار الأنوار ج٤٩ ص٨٧ عن أبي الصلت الهروي قال: كان الرضا× يُكلِّم الناس بلغاتهم وكان والله أفصح الناس وأعلمهم بكل لسان ولغة فقلتُ: يا بن رسول الله إني لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها. فقال×: «يا أبا الصلت، أنا حجة الله على خلقه وما كان الله ليتخذ حجة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم أو ما بلغك قول أمير المؤمنين×: «أوتيتا فصل الخطاب فهل فصل الخطاب إلا معرفة اللغات»».

المعنى الثاني/ أعطوا معاني الكلام الفصل: رُوِيَ في بحار الأنوار ج٢٦ ص١٤١ في حديث المفضل الجعفي عن أبي عبد الله الصادق× قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أعطيت تسعا لم يعطها أحد قبلي سوى النبي| لقد فتحت لي السبل، وعلمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب»».

المعنى الثالث/ القرآن الكريم الذي فيه بيان الحوادث من ابتداء الخلق للقيامة.

المعنى الرابع/ الحكم المخصوص في كل واقعة والجواب المسكت للخصم في كل مسألة.

المعنى الخامس/ فصل الخطاب التمييز بين الحق والباطل.

وصلى الله على محمد وآل محمد

حسين آل إسماعيل



الاختيار الإلهي ـ 08

الاختيار الإلهي ـ 08

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

تأثّر الإسكندر ذي القرنين بالرجل الزاهد المتنسك

يروي المؤرخون أن الإسكندر ذا القرنين مرّ بمدينة قد ملكها ملوك كثيرون وبادوا، فقال: هل بقي من نسل الملوك الذين ملكوا هذه المدينة أحد؟ قالوا: رجل يعيش في المقابر. فجاء إليه ـ وكان جيشه كما يقول بعض المؤرّخين ضخماً لجباً بمقاتليه، فضلاً عمّا معه ومن يصحبه من الخيل والصنّاع والطهاة والمهرة والحرفيين وغير ذلك ـ فلم يرع الرجل كل ذلك، بل إنه بقي على ما كان عليه؛ فقد كان غارقاً في صلاته التي هي بمعنى الدعاء، منقطعاً إلى الله تعالى، مستغرقاً في ملكوته، فوقف الإسكندر على رأسه، فوجده رابط الجأش، لم يرتع منه، ولم يخف من جيشه وسلطانه.

فانتظره الإسكندر حتى فرغ من صلاته، وقال له: ما دعاك إلى لزوم المقابر؟ وما الذي تريده ممّا تفعله فيها؟ قال: إنني موكل بنبش هذه القبور؛ لأنني أردت أن أفصل عظام الملوك وغيرهم من العظماء والعباقرة والفلاسفة عن عظام عبيدهم واُميّزها عنها؛ لأرى إن كانت عظامهم فيها تتميّز عن غيرها من عظام الاُناس البسطاء أم لا؛ فقد ماتوا كلّهم، ودفنوا جميعاً هاهنا، فلم أستطع أن اُميّز بين عظام هؤلاء وعظام هؤلاء، ورأيت أنها واحدة لا تختلف، وأنها في ذلك سواء. فقال له: ألم يرعك سلطاني؟ وأما خفت من جنودي؟ قال: لا. قال: لم؟ قال: لأني أقف بين يدي من هو أكثر جنوداًً منك، وأشدّ بأساً منك.

فأثار إعجاب الإسكندر الذي بادره بالقول: فهل لك أن تتبعني فاُحيي بك شرف آبائك إن كانت لك همّة؟ قال: إن همتي لعظيمة إن كانت بغيتي عندك. قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها، وشباب لا هرم معه، وغنىً لا يتبعه فقر، وسرور لا يغيره مكروه. قال: لست أقدر على هذا، فهذا شيء لا أستطيع أن اُؤمّنه حتى لنفسي. فقال له: فامضِ لشأنك وخلِّني أطلب بغيتي ممن هي عنده ؛ فأنا مع من يؤمّن كل ذلك لي، فاللّه عز وجل يستطيع أن يعطيني جميع هذه الأشياء: يعطيني عافية بلا مرض، ويعطيني حياة بلا موت، ويعطيني غنى بلا فقر، فلماذا أترك اللّه وآتي معك؟ فقال له الإسكندر: لقد وعظت فأبلغت. ثم التفت إلى من معه من كبار قومه، وقال لهم: هذا أحكم من رأيت([1]).

 وإذا علمنا أن المؤرخين ينصون أن جيش الإسكندر ذلك ليس بالجيش العادي، وأنه حينما يوصف بأنه جيش ضخم فهو ضخم فعلاً؛ إذ يوصل بعض المؤرخين أعداد هذا الجيش إلى مليوني نسمة مع ما كان يحمله معه من خيل وإبل وغيرها، فضلاً عن المعدات الحربية وما إليه. وكان بحق جيشاً لجباً عرمرماً يهول كل من يراه وكل من يقع بصره عليه. ومن خلال جواب هذا الرجل المتنسك العابد للإسكندر وقوله له: لأني أقف بين يدي من هو أكثر جنوداًً منك، وأشدّ بأساً منك، فإننا نعرف أن العبد إذا ما وقف بين يدي سيده ومولاه فإن عليه أن يستشعر ذلك الموقف على حقيقته، وأن يستشعر حال العبودية التي هو عليها.

وعلى أية حال فالصلاة عند سفراء السماء^ لها قيمة عظمى لا يدانيها شيء كما سنلاحظه من خلال الطرح التالي:

أولاً: صلاة نبيّنا الأكرم|

يروي البعض عن عائشة قولها: كان رسول الله| يحدّثنا ونحدّثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنّه لم يعرفنا ولم نعرفه؛ شغلاً باللَّه عن كلّ شيء([2]).

ثانياً: صلاة الإمام أمير المؤمنين علي×

وكان الإمام أمير المؤمنين علي× إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلوّن، فيقال له: مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: «جاء وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض، ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾([3])»([4]).

ثالثاً: صلاة الإمام السجاد×

يروي المؤرخون أن الإمام السجّاد× صلى ذات يوم، فسقط الرداء عن أحد منكبيه، فلم يسوِّه حتى فرغ من صلاته، فسأله بعض أصحابه عن ذلك، فقال×: «ويحك! أتدري بين يدي من كنت؟ إن العبد لا يقبل من صلاته إلّا ما أقبل عليه منها بقلبه». فقال الرجل: هلكنا. فقال×: «كلاّ، إن الله عزّ وجل متمّم ذلك بالنوافل»([5]).

 أي أليس واجباً علي أن أخشع وأخاف وأرتجف وأنا أقف هذا الموقف العظيم بين يدي جبار السماوات والأرض، وبين يدي مالك الناس جميعاً، وهو المتصرف فيهم؟ ومن هنا فإننا نقول: إن على الإنسان إذا ما انغمر في صلاته فإن عليه أن ينغمر في بحر من الشعور بوجود الله تبارك وتعالى، وأن يعرف أنه إنما يمثل بين يدي الله الذي هو جبار السماوات والأرض، وأن ينقطع في وقوفه هذا إليه جل شأنه وحده دون أن يكون هنالك كفل أو نصيب لكل ما هو دنيوي في حياته.

وكان× إذا حضر للوضوء اصفرّ لونه، فيقول أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: «ما تدرون بين يدي من أقوم»([6]).

إن هذه الظاهرة كانت موجودة عند النبي الأكرم| وعند أهل بيته^ دون فرق بين أحد وأحد منهم ولذا فإن المؤرخين حينما يصفون صلاة الإمام السجاد× فإنهم كانوا يذكرون أنه× حينما كان يقوم إلى الصلاة كان يقف كالخشبة الثابتة لا يتحرّك منه إلّا ما تحرّكه الريح، ولا يميل شيء منه إلّا ما تقتضيه منه عبادته وصلاته. يروي أحد غلمانه عن هذه الحالة الإلهية التي عنده من الاستغراق في العبادة والسجود إلى الله تبارك وتعالى، فيقول: كنت أرقبه أوقات صلاته، فأسمعه حينما يسجد ويطيل السجود، وهو يكرّر هذه الكلمة: «إلهي، عظم الذّنب من عبدك، فليحسن العفو من عندك»([7]).

وطُلب من جاريته أن تصفه لهم، فقالت: أطنب، أو أختصر؟ فقيل لها: بل اختصري. فقالت: ما أتيته بطعام نهاراً قط، وما فرشت له فراشاً بليل قط، تميله الريح إذا مال([8]).

ومع كل ما عليه الإمام السجاد من صلاة كان يرى أن صلاته لا تعادل شيئاً بالنسبة إلى صلاة أمير المؤمنين× الذي كان يتميز بتلك الجنبة التي نقلناها عن رسول الله|؛ حتى قال الإمام السجاد×: «من يصبر ويقوى على عبادة علي ابن أبي طالب؟»، وذلك حينما أمر× بعض أهله بأن يعطوه ما عنده من صحائف، فأعطوه تلك «الصحف التي فيها بعض عبادة» جده «علي بن أبي طالب». فلما أخذها× نظر فيها نحّاها قائلاً: «من يصبر ويقوى على عبادة علي ابن أبي طالب؟». ثم لم يمت× حتى عمل بعمل الإمام أمير المؤمنين علي×([9]).

وهذا اللون من الانقطاع إلى الله جل وعلى هو انقطاع ناتج من شعور الإنسان بأنه مخلوق بين يدي خالقه، وأنه عبد بين يدي معبوده وسيّده وإلهه، وهو الله تبارك وتعالى جبار السماوات والأرض الذي أعد النار لمن عصاه([10])، ولم يعبده حق عبادته. إذا فمن أفضل الأعمال التي اختارها الله سبحانه وتعالى الصلاة كما ذكرنا.

الرابع: خيرته من الأمكنة

 وكما أن الله سبحانه وتعالى قد اختار من كل شيء فرداً؛ لخصائصه ومزاياه التي يمتاز بها على سائر المخلوقات، ولعلّة ولحكمة لا نعلمهما ارتأتهما إرادته تعالى، فكذلك كان له جلّ شأنه خيرته من الأمكنة التي يبلغ عدّها أكثر من موطن، لكننا سوف نقتصر على واحد منها؛ لضيق المقام عن عدّها وحصرها، وعن ذكرها كلّها.

___________________

([1]) انظر: التعازي والمراثي: 65، الجليس الصالح والأنيس الناصح: 450، ربيع الأبرار 1: 433، سراج الملوك: 13، محاضرات الاُدباء: 244، نثر الدرّ: 123، لباب الآداب: 126.

([2]) عدة الداعي: 139، عوالي اللآلي 1: 324، بحار الأنوار 67: 400، 81: 258 / 56، شرح نهج البلاغة (ابن ميثم البحراني) 3: 75 – 76، طبقات الشافعية الكبرى 6: 294، فتوح الشام 2: 38.

([3]) ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ الأحزاب: 72.

([4]) عوالي اللآلي 1: 324 / 52، التفسير الأصفى 2: 1005، شرح نهج البلاغة (ابن ميثم البحراني) 3: 75 – 76

([5]) الخصال: 517، وفي تهذيب الأحكام 2: 341 ـ 342 / 1415 عن أبي حمزة الثمالي. ويسأل أحدهم الإمام السجّاد× قائلاً: ما بالك يابن رسول اللّه؟ فيجيبه: «ويلك، أتدري بين يدي من أقف أنا؟». عوالي اللآلي 1: 324 / 63، الطبقات الكبرى 5: 216، تاريخ مدينة دمشق 41: 378، تهذيب الكمال 20: 390، سير أعلام النبلاء 4: 392، البداية والنهاية 9: 123.

([6]) كشف الغمة في معرفة الأئمة 2: 286، عوالي اللآلي 1: 324 / 63، شرح نهج البلاغة 3: 75 – 76، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء 4: 231، تاريخ مدينة دمشق 41: 378، تهذيب الكمال 20: 390، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول^: 409، إحياء علوم الدين 13: 53، نهاية الأرب في فنون الأدب 21: 326، ينابيع المودة لذوي القربى 3: 154.

([7]) انظر: المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء 4: 267، الأنوار البهية: 187 – 188.

([8]) الخصال: 518، شرح نهج البلاغة 2: 274، وعن محقق الكتاب أنها في كتاب الكامل 538 ـ 539 (طبعة أوروبا) ولم نعثر عليها في الطبعة الحديثة، الملل والنحل 1: 118.

([9]) شرح الأخبار 3: 272، الإرشاد 2: 142، مناقب آل أبي طالب 1: 390.

([10]) في الحديث الشريف عن سيّدنا وإمامنا ومولانا زين العابدين× قوله في حواره مع طاووس: «خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبداً حبشياًَ، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشياً». الصحيفة السجادية: 177 / الدعاء: 91.



في رحاب الزيارة الجامعة ـ 02

في رحاب الزيارة الجامعة ـ 02

جاء في الزيارة الجامعة الشريفة: «وبموالاتكم تمَّت الكلمة».

١) ما المراد بالتَّمام؟ وما الفرق بينه وبين الإكمال؟

٢) ما المراد بالكلمة في هذه الفقرة من الزيارة؟

جاء في كتاب مجمع البحرين ص٥٠٦: «يُقال: أتممتُ الشيء بمعنى أكملته ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ (الصف: 8) أي مُكمله، فتمت الكلمة بمعنى كملت الكلمة».

وأما الفرق بين الإكمال والإتمام:

يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (المائدة: 3).

 أولاً: ﴿أَكْمَلْتُ﴾ أكمل الأمْر: أي أنهاهُ على مراحل مُتقطّعة، بينها فواصل زمنيّة.

فالذي عندهُ أيّام إفطار من شهر رمضان وعليه صيامها فيما بعد، لديه فرصة ١١ شهراً لقضائها، ولو على فترات متقطّعة، لذلك قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (البقرة: 185).

 ثانياً: ﴿أَتْمَمْتُ﴾ أما أتمّ الأمر: يجب أنْ لا ينقطع العمل حتّى ينتهي.

فلا يجوز مثلاً: الإفطار أثناء النهار في صيام رمضان، ولو لفترة قصيرة جدّاً.

لذلك يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (البقرة: 187) ولم يقل: «أكملوا».

وكذلك لا يجوز للإنسان أنْ يتحلّل مِنَ الإحرام في الحجّ حتى ينتهي من شعائره.

لذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ﴾ (البقرة: 196) وليس أكملوا الحج.

فلماذا الدين «اُكْمل» بينما النعمة «أُتمّت»؟

لأنَّ الدين نزل على فتراتٍ متقطّعة على مدى ٢٣ عاماً، ولكن المُلفت للنظر أنَّ نعمة الله لم تنقطع أبداً، فقال تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. فنِعمةُ الله لمْ تَنقطع، ولا حتى ثانية واحدة عن هذه الامة. فانظر إلى الدقة في المعنى بين اللفظين.

وأمَّا المراد بالكلمة في هذه الفقرة الشريفة فهناك معنيان وهما ما يلي:

المعنى الأول/ أنها كلمة التوحيد: فبمولاتكم التوحيد الكامل، وفي هذا إشارة إلى حديث سلسلة الذهب المروي عن الإمام الرضا×.

المعنى الثاني/ أنها كلمة الإيمان والدِّين: فبموالاتكم الإيمان والدِّين الكامل، إشارة إلى قوله تعالى في سورة المائدة آية ٣: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.

فولاية أهل البيت^ هي الركن الركين في حقيقة الدِّين لشريعة سيد المرسلين.

وصلى الله على محمد وآل محمد

حسين آل إسماعيل



الاختيار الإلهي ـ 07

الاختيار الإلهي ـ 07

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

المحور الثالث: القرآن الكريم

وفوق هذا وذاك كله فإننا إذا ما رجعنا إلى القرآن الكريم فإننا نجد أنه ينص على ثلاثة أوقات للصلاة لا على خمسة لها، وذلك في قوله جل شأنه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً([1]).

ومعلوم كما هو مذكور في كتب التفاسير وغيرها من الكتب التي تتناول هذه الآية دليلاً وكذلك ما هو الموجود في كتب اللغة أن دلوك الشمس هو وقت الظهر.

ويعلل البعض تسميتها بهذا الاسم ـ أي الدلوك ـ بأن الإنسان إذا ما نظر إلى الشمس في هذا الوقت، وهو وقت الظهيرة أو الزوال حيث تكون الشمس في شدتها وقوة سطوعها، فإن عينيه تصابان بالانبهار والأذى، فيدلكهما؛ فمن هنا جاءت هذه التسمية، وهي قت الدلوك والتي يستعمل لها اصطلاح آخر وهو وقت الزوال.

وهذا الوقت يذكره القرآن الكريم لصلاتي الظهر والعصر اللتين يستمر وقتهما إلى غسق الليل ـ أي دخول الليل ـ حيث تبدأ معه صلاتا المغرب والعشاء.

كما أن القرآن الكريم كما لاحظنا من خلال قوله تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ يذكر وقتاً ثالثاً هو وقت صلاة الفجر، أو صلاة الصبح التي سميت قرآناً؛ لاشتمالها على القرآن. وهي مشهودة؛ لأنها تشهدها ملائكة الليل، وملائكة النهار؛ لأهميتها.

رجع

وعليه فالصلاة في واقع الأمر أفضل عمل يؤديه الإنسان على مستوى الأعمال العبادية، أو الأعمال المتكرّرة اليومية التي اعتاد على القيام بها؛ ولذا فقد قرن الإسلام قبول الأعمال بقبولها، فقال: «إن أول ما يحاسب به العبد الصلاة فإن قبلت قبل ما سواها».

التهيؤ الروحي والنفسي للصلاة

وانطلاقاً من هذا الواقع والتقرير فإنه يستحسن للمرء المسلم إذا أراد الإسلام على الصلاة أن يتهيأ لها تهيؤاً تامّاً، وأن يعد العدة لملاقاة الله تبارك وتعالى فلا يشغل نفسه بالأمور الدنيوية ولا بكل ما هو عرض دنيوي زائل، بل عليه أن يكون مستعدّاً لهذا اللقاء استعداداً روحياً ونفسياً عاليين؛ بحيث إنه يكون أهلاً للمثول بين يدي الله تبارك وتعالى في هذا الموقف العظيم الذي يعتبر موقفاً هامّاً جدّاً؛ كونه يمثل عملية التواصل أو الصلة بين الله تبارك وتعالى وبين عباده.

وكما أن على الإنسان أن يتهيأ للصلاة تهيؤاً نفسياً وروحياً، فكذلك عليه أن يتهيأ لها تهيؤاً جسدياً صحيحاً وكاملاً، بمعنى أن يذهب إلى الصلاة وهو متنظف ومتطهر فيلقي ما في بدنه وثيابه من أدران كما يلقي ما في نفسه وروحه من أدران الجاهلية أو من أمراض النفس التي تحول بينه وبين كمال صلاته. إن أي إنسان حينما يريد أن يقف بين يدي شخص له مكانة اجتماعية أو سياسية مرموقة فإنه يعمد إلى أحسن ثيابه فيلبسها، وإلى تنظيف بدنه وتعطير ثيابه وتعطير نفسه قبل أن يذهب للمثول بين يدي ذلك المخلوق، فما بالك به إذن وهو يريد أن يقف بين يدي الخالق العظيم الجبار؟ إن عليه حتماً أن يتنظف ويتطهر ويتطيب قبل حصول هذا المثول حتى يكون ممن قدر الله حق قدره.

إذن فبمقتضى القاعدة أن الإنسان حينما يتوجه إلى صلاته يجب أن يكون على طهارة تامة؛ سواء كانت على مستوى الطهارة الروحية والنفسية، وذلك بتخليص النفس والروح من أدران الأمراض النفسية والروحية، أو على مستوى الطهارة البدنية فيتخلص من الخبائث ومن كل ما من شأنه أن يحول دون تحقق هذا المثول على وجهه الأتم الأكمل، ودون حصول هذا المثول مقبولاً منه.

الصلاة في منظار الرسول الأكرم| وأهل بيته^

إننا نعرف أن الصلاة بمعناها العام الانقطاع إلى الله تبارك وتعالى، والذوبان في بوتقة عبوديته والتوجه إليه والدعاء له. وهذه المرتبة التي نحن بصدد الحديث عنها ليست مرتبة صعبة المنال ولا بعيدة الشأو والغاية، بل إن كل إنسان من الممكن أن يصل إليها إذا ما أخلص إلى الله تبارك وتعالى، ولم تشغله أمور الدنيا عن عبادته وصلاته، أما إذا ما اشتغل بأمور الدنيا واهتم بها، وأولاها عناية أكثر من صلاته التي يؤدّيها بصورة سريعة حتى يرجع بعدها إلى عمله، فإنه حتما سوف لن يصل إلى هذا المستوى من الشعور بالانقطاع إلى الله تبارك وتعالى انقطاعاً تامّاً، وبالذوبان في بوتقة عبوديته. ومن هنا فإن من سبقنا كانوا يصلون إلى هذا المستوى بنسب أكبر وأعلى ممن يصل إليه في أجيالنا الحالية.

يتبع…

_______________

([1]) الإسراء: 78.



Real Time Web Analytics