مقالات دينية

سطور من النور بمناسبة شهادة فاطمة الزهراء سلام الله عليها

سطور من النور بمناسبة شهادة فاطمة الزهراء سلام الله عليها

نعزي صاحب العصر والزمان والأمة الإسلامية بشهادة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، تقبل الله أعمالكم

قالت علیها السلام: یا أبا الحسن، إنّ رسول الله‘ عهد إليّ وحدّثني أنّي أوّل أهله لحوقاً به ولابدّ منه، فاصبر لأمر الله تعالى وارض بقضائه. (بحار الأنوار 43: 200 / 30)

قالت علیها السلام: لا تصلّي عليّ اُمّةٌ نقضت عهد الله وعهد أبي رسول الله في أمیر المؤمنین علي، وظلموا لي حقّي، وأخذوا إرثي، وخرقوا صحیفتي اللّتي كتبها لي أبي بملك فدك. (بیت الأحزان: 113. كشف الغمّة 2: 494)

قالت علیها السلام: اُوصیك یا أبا الحسن ألّا تنساني، و تزورني بعد مماتي. (زهرة الرّیاض كوكب الدّري 1: 253.)

قالت علیها السلام: نحن وسیلته في خلقه، ونحن خاصّته ومحلّ قدسه، ونحن حجّته في غیبه، ونحن ورثة أنبیائه. (شرح نهج البلاغه ابن أبي الحدید 16: 211)

قالت علیها السلام: أبوا هذه الاُمّة محمّدٌ وعلي، یقیمان أودّهم، وینقذان من العذاب الدّائم إن أطاعوهما، و یبیحانهم النّعیم الدّائم إن واقفوهما. (بحار الأنوار 23: 259 / 8)

قالت علیها السلام: من أصعد إلى الله خالص عبادته، أهبط الله عزّ وجلّ له أفضل مصلحته. (بحار الأنوار 67: 249 /25)

قالت علیها السلام: إلهي وسیّدي، اسئلك بالّذین اصطفیتهم، وببكاء ولدي في مفارقتي أن تغفر لعصاة شیعتي، وشیعة ذرّیتي. (كوكب الدّري 1: 254)

قالت علیها السلام: شیعتنا من خیار أهل الجنّة وكلّ محبّینا وموالي أولیائنا ومعادي أعدائنا والمسلم بقلبه ولسانه لنا. (بحار الأنوار 68: 155 / 11)

قالت علیها السلام: جعل الله الإیمان تطهیراً لكم من الشّرك، والصّلاة تنزیهاً لكم من الكبر، والزّكاة تزكیةً للنّفس، ونماءً في الرّزق، والصّیام تثبیتاً للإخلاص، والحّج تشییداً للدّین. (ریاحین الشّریعة 1: 312، فاطمة الزّهراء علیها السلام: 360)

قالت علیها السلام: خیرٌ للنّساء ألّا یرین الرّجال ولا یراهنّ الرّجال. (بحار الأنوار 43:  / 48)



صفات من لا يحبهم الله (3)

صفات من لا يحبهم الله (3)

مسجد الإمام الرضا×

خطبة الجمعة

7/5/1439هـ

الحمد والشكر والمنة والثناء لعين الوجود، والصلاة على واقف مواقف الشهود، وعلى آله أمناء المعبود.

صفوة الخلق من الأنام محمد *** من أتاه مسلماً فهو يرشد
فعليه وآله صلوات *** فارفعوا الصوت عند ذكر محمد

عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته، والدوام على ذكره وعبادته، فإن الموت لا يبقي أحداً، وكل شيء في الدنيا فانٍ إلاّ وجهه الكريم.

الموت لا والد يبقي ولا ولداً *** هذا السبيل إلى أن لا ترى أحداً
مات النبيُّ وَلَم يَخلُدْ لأُمَّتِه *** لو خلد الله خلقاً قبله خلداً
للموت فينا سهامٌ غيرُ خاطئةٍ *** من فاته اليوم سهم لم يفته غداً([1])

تقدم الكلام حول بعض صفات من لا يحبهم الله تعالى كالظالمين والمعتدين والمفسدين والمتفاخرين والكافرين، ونكمل حديثنا عن بقية هذه الشرائح السلبية في المجتمع.

سادساً: الخائنون.

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللهِ إِنَّ الله كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا([2]).

ويُذكر أن أحد المسلمين سرق شخصاً يدعى رفاعة، فبلغ النبي| ذلك فاتهموا شخصاً بريئاً يسمى لبيدا، كان يسكن معهم، فتألم لهذه التهمة، فأراد أن ينتصر لنفسه، فطلب منهم إثباتاً أو سيحمل عليهم بسيفه. فذهبوا مع أحد رجال قبيلتهم إلى النبي| ليدافع عنهم ويلصق التهمة بالرجل، وما على الرسول إلا العمل بالظاهر. ولكن نزلت الآيتان تؤنبا مرتكب الخيانة وتبرء المظلوم.

يقول صاحب تفسير الميزان: «ومضمون الآية على ما يعطيه السياق أن الله أنزل إليك الكتاب وعلمك أحكامه وشرائعه وحكمه لتضيف إليها ما أوجد لك من الرأي، وعرّفك من الحكم فتحكم بين الناس، وترفع بذلك اختلافاتهم».

وقال: «الخصيم هو الذي يدافع عن الدعوى وما في حكمها، وفيه نهيه| عن أن يكون خصيماً للخائنين على من يطالبهم بحقوقه، فيدافع عن الخائنين ويبطل حقوق المحقين من أهل الدعوى».

وقال&: «إن المراد بالخيانة مطلق التعدي على حقوق الغير ممن لا ينبغي منه ذلك لا خصوص الخيانة للودائع…» ([3]).

وقال سبحانه في سورة الحج: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ([4]). وهذا تطمين من الخالق سبحانه للمؤمنين بنصره، حيث لن يتمكن الأعداد من بلوغ ما يطمحون إليه، فالوعد الإلهي متحقق لا محالة.

أما الذين أشركوا فقد ثبتت عليهم الخيانة والكفر، والله لا يحب خواناً كافراً.

وقال سبحانه في سورة الأنفال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ([5]).

فإذا وجد الرسول| القرينة والإمارة من الأعداء تدل على خيانتهم جاز له أن يبلغهم إلغاء العهد بأسلوب واضح وصريح لا لبس فيه ولا خدعة.

* سابعاً: المسرفون.

قال تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ([6]). والإسراف هو تجاوز الحد.

ومعنى الآية: لا تتجاوزوا الحد الذي يصلح به معاشكم بالتصرف فيه. فلا يتصرف صاحب المال بالإسراف أكلِه وبذلِه أو مجمل حياته، ويبتعد عن معصية الله.

إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم
فإن تعط نفسك آمالها *** فعند مناها يحل الندم
فأين القرون ومن حولهم *** تفانو جميعا وربي الحكم
محامدك اليوم مذمومة *** فلا تكسب الحمد إلا بذم([7])

وقال سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ([8]). فينبغي رعاية الاعتدال في حياتنا خاصة في مثل هذه الظروف التي نمر بها.

* ثامناً: الفرحون.

قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ([9]).

وكان سبب بغيه وظلمه الثروة العظيمة التي غرته وجرته إلى الانحراف والاستكبار.

وعن أميرالمؤمنين× قال: «قال رسول الله|: إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم»([10]).

قال الشريف الرضي:

إنما يدخر المالُ *** لحاجات الرجالِ
والفتى من جعل الأموال *** أثمان المعالي([11])

* تاسعاً: المستكبرون. قال تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ([12]).

والاستكبار هو من علامات الجهل بالله عز وجل، ومن أقبح ألوان التكبر الوقوف أمام الحق ورفضه، فكل رافض لقبول الحق مستكبر؛ لأنه يقفل على الإنسان سبل الهداية، مما يؤدي به إلى التخبط في متاهات المعاصي والضلال.

___________________

([1]) مناقب آل أبي طالب 1: 204.

([2]) النساء: 105ـ 106.

([3]) تفسير الميزان 5: 71 ـ 72.

([4]) الحج: 38.

([5]) الأنفال: 58.

([6]) الأنعام: 141.

([7]) ديوان الإمام علي×: 153. أعيان الشيعة 1: 553.

([8]) الأعراف: 31.

([9]) القصص: 76.

([10]) الكافي 2: 316، باب حب الدنيا والحرص عليها، ح6.

([11]) البداية والنهاية 12: 5. عبقرية الشريف الرضي 1: 157.

([12]) النحل: 22 ـ 23.



صفات من لا يحبهم الله (2)

صفات من لا يحبهم الله (2)

مسجد الإمام الرضا×

خطبة الجمعة

أذكر الله وأمجده، وأستعينه وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، له الحمد إنه على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، وحبيب قلوب العالمين، أبي القاسم محمد وآله الطاهرين.

عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن الدنيا دار الغرور والآخرة دار مقر.

تحرز من الدنيا فإن فناءها *** محل فناء لا محل بقاء
فصفوتُها ممزوجة بكدورة *** وراحتها مقرونة بعناء([1])

تقدم الكلام حول بعض صفات من لا يحبهم الله تعالى، كالظالمين والمعتدين والمفسدين ونتكلم اليوم عن بقية الصفات.

* رابعاً: المختال الفخور.

قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا([2]).

والآية الكريمة تدعو في البداية إلى عبادة الله والخضوع له وحده، وترك الشرك الذي هو إحساس المنهج الديني، حيث إن التوحيد وعبادة الله تطهر الروح وتخلص النية وتشد من عزيمة الإنسان، وتقوّي إرادته، وتسلك به طريق الاستقامة والسعادة. ثم بيّنت الآية الكريمة أن الله لا يحب الإنسان المختال الفخور الذي يعصي أوامر الله ولا يؤدي حقوق الآخرين بدافع التكبر والإعجاب بالنفس.

صاحب الرسول‘

قال أحد الأصحاب: كنت عند رسول الله| فقرأ هذه الآية، فذكر الكبر فعظمه، فبكى ذلك الصحابي، فقال رسول الله|: «ما يبكيك؟» فقال: يا رسول الله|، إني لأحب الجمال، حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي. قال|: «فأنت من أهل الجنة، إنه ليس من الكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس»([3])، أي احتقرهم واستصغرهم ولم يرهم شيئاً. قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ([4]). وقال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ([5]).

* خامساً: الكافرون: الذين لا يؤمنون بالله، ويتمردون عليه وعلى شريعته.

قال سبحانه ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ([6]).

وكما أن الحب علاقة قلبية، فكذلك لابد أن تظهر آثاره على سلوك الإنسان كاتباع الرسول|، وانجذاب المُحب نحو المحبوب، فإن حب الله ناشيء من كونه مصدر جميع الكلمات وأصلها، ومن عشق الكمال لا يعصي، بل عليه أن يطيع أوامر محبوبه ويتبع تعاليمه.

قال الإمام الصادق×: «ما أحب الله من عصاه»، ثم قرأ:

تعصـى الاله وأنت تظهر حبه *** هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع([7])

قال سبحانه: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ([8]).

أيها الأخوة! علينا في هذا الزمن الصعب العمل الدؤوب والمراقبة المستمرة لأبنائنا، وتربيتهم تربية إيمانية صحيحة تربطهم بالإيمان بالله تعالى لتجنبهم الإلحاد والملحدين، خاصة أولئك الذين يشككون في وجود الخالق سبحانه، ويقودون النشأ للإنحراف والكفر بالله والاستهزاء بالدين والعقيدة.

ومن أفضل الأعمال في هذا الزمن تربية الأولاد في الدورات الدينية، ومصاحبتهم للمؤمنين، والأخذ بيدهم إلى المسجد، والمحاضرات الدينية، إلى غير ذلك من وسائل التربية والتعليم التي تساعد على التصدي لشبهات الملاحدة والضالين.

إن إنكار الخالق سبحانه ليس له من الواقع نصيب إلّا الجهل، والجهل ليس دليلاً ولا برهاناً ولا يقود إلّا إلى الباطل والظنون التي من ورائها الشيطان الذي يحثهم على شهوات الدنيا وملذاتها. قال تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى([9]).

فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكر كليلا *** أنت حيرت ذوي اللب وبلبلت العقولا

كلما أقدم فكري فيك شبراً فرميلا *** ناكصاً يخبط في عمياء لا يهدي السبيلا([10])

«أين مبيدُ العتاةِ والمردة، أين مستأصل أهل العنادِ والتضليل والإلحاد، أين معزُ الأولياء ومذلُ الأعداء، أين جامعُ الكلمة على التقوى، أين بابُ الله الذي منه يُؤتى، أين وجه الله الذي إليه يتوجهُ الأولياء»([11]).

يتبع…

_____________

([1]) شجرة طوبى 2: 422.

([2]) النساء: 36.

([3]) مجمع الزوائد 7: 4.

([4]) لقمان: 18.

([5]) الحديد: 23.

([6]) آل عمران: 31 ـ 32.

([7]) وسائل الشيعة 15: 308، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، ب41، ح20596.

([8]) الروم: 44 ـ 45.

([9]) النجم: 23.

([10]) شرح نهج البلاغة 13: 51. مجمع البحرين 3: 445.

([11]) إقبال الأعمال 1: 509.



صفات من لا يحبهم الله (1)

صفات من لا يحبهم الله (1)

مسجد الإمام الرضا×

خطبة الجمعة

17/4/1439هـ

الحمد لله رب العالمين، خالق الخلائق أجمعين، ديان يوم الدين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، الرسول الأمين وخاتم النبيين، حبيب قلوب العالمين، أبي القاسم محمد|.

عبادالله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن نعيم الدنيا زائل، وكل ما فيها راحل.

قل للمقيم بغير دار إقامة *** حان الرحيل فودّع الأحبابا
إنّ الذين لقيتهم وصحبتهم *** صاروا جميعاً في القبور ترابا([1])

تقدم الكلام حول من يحبهم الله تعالى من المتقين والمحسنين والصابرين والمتطهرين، ونتكلم اليوم عن شريحة لا يحبهم الله تعالى ومنهم:

* أولاً: الظالمين.

قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ([2]).

ويتضح من الآية الكريمة أن الإيمان لوحده لا يكفي، بل لابد أن يقترن بالعمل الصالح، وفي الحديث «إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»([3]). ثم تحدثت الآية الكريمة عن الظالمين، وأن الله تعالى لا يحبهم، وهم الذين يقدمون على الكفر والعمل السيء في حياتهم من ظلم أنفسهم بالمعاصي ومخالفة الشريعة المقدسة، أو ظلم الآخرين في حقوقهم وأموالهم وسمعتهم.

وفي نهج البلاغة عن علي×: «ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لايترك، وظلم مغفور لايطلب، فأما الظلم الذي لايغفر فالشرك بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات. وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً»([4]). فحذار من الظلم وحذار من دعوة المظلوم. قال علي×:

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً *** فالظلم آخره يأتيك بالندم([5])

وقال حفص بن عتاب للرشيد:

تنام عيناك والمظلوم منتبه *** يدعو عليك وعين الله لم تنم([6])

* ثانياً: المعتدين.

قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ([7]).

وقد أمر القرآن الكريم في هذه الآية بمقاتلة الذين يشهرون السلاح بوجه المسلمين، بعد أن انتهت مرحلة صبر المسلمين على الأذى، وجاءت مرحلة الدفاع عن النفس والحقوق المشروعة، حيث إن الحرب ليست للانتقام، ولا للعلو في الأرض والتزعم، بل هو يصح إذا كان في سبيل الله، وإقامة شريعته، من نشر الحق والعدل والتوحيد ومحاربة الظلم والفساد.

وهذا ما يميز الحرب في الإسلام عن سائر حروب العالم.

ثم توصي الآية الشريفة بضرورة رعاية العدالة حتى في ميدان القتال، كعدم التعرض للمستسلمين، ومن لا يقدر على الحرب كالكبار والنساء والأطفال، أو للبساتين، يقول علي×: «فإذا كانت الهزيمة بإذن الله، فلا تقتلوا مدبراً ولا تصِبوا معُوراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء…»([8]).

وقال سبحانه في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ([9]). وقد نهى الله تعالى بعض المسلمين الذين حرّموا على أنفسهم بعض النعم الإلهية، ونهت عن تجاوز حدود الله تعالى، لأنه سبحانه لا يحب الذين يفعلون ذلك التجاوز.

وحين بلغ رسول الله| ذلك قال: «ما بال أقوام حرّموا النساء والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً…» ([10]).

* ثالثاً: الفساد والمفسدين.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ([11]).

إن المنافقين إذا حكموا في الأرض، أهلكوا الحرث والنسل وأشاعوا الظلم، وعرضوا الناس للخطر بالاعتداء عليهم وعلى أموالهم.

الأخنس بن شريف

وكان الأخنس بن شريف رجلاً وسيماً عذب البيان، يتظاهر بالإسلام وحب الرسول|، وكان كلما جلس عند النبي| أقسم بالله على إيمانه وحبه للرسول|، وكان الرسول| يغدق عليه من لطفه وحبه كما هو مأمور به، ولكن الأخنس كان منافقاً، فلما صارت بينه وبين بعض المسلمين منازعة هجم عليهم وقتلهم وأباد زرعهم.

وهذا التصرف فساد لا يحبه الله تعالى([12]).

وكما أن الله تعالى لا يحب الفساد فكذلك لا يحب المفسدين كاليهود الذين تحدث عنهم القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ([13]).

وكان الأوس والخزرج الكل منهم يسعى للتحالف مع اليهود في حرب رسول الله|، ولكن طويت صفحة جبروتهم، فتركوا ديارهم واستسلم الباقون للمسلمين.

ومصير كل من لا يحبه الله هو هذا المصير، أن يُغلب على أمره ولو بعد حين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأيد حماة الدين، وعجل فرج وليك حجة الله على العالمين.

متى تسل البيض من غمدها *** وتُشرع السمر ويحمى الذمار
في فئة لها التقى شيمة *** ويالثارات الحسين شعار
تنسى على الدار هجوم العدا *** مذ أضرموا الباب بجزل ونار
ورض من فاطمة ضلعها *** وحيدر يقاد قسـراً جهار([14])

يتبع…

_________________

([1]) مناقب آل أبي طالب 3: 181. بحار الأنوار 43: 340 / 14.

([2]) آل عمران: 57.

([3]) من لا يحضره الفقيه 3: 156، باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات، ح3569.

([4]) نهج البلاغة 2: 95.

([5]) ديوان الإمام علي×: 155.

([6]) المستطرف 1: 190 نسبه إلى بعض الملوك.

([7]) البقرة: 190.

([8]) نهج البلاغة 3: 14.

([9]) المائدة: 87.

([10]) بحار الأنوار 40: 328 / 10.

([11]) البقرة: 205.

([12]) انظر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 2: 68 / 1.

([13]) المائدة: 64.

([14]) موسوعة أدب المحنة: 424.



زينب العقيلة

زينب العقيلة

نبارك لمولانا صاحب العصر والزمان عجّل الله فرجه ونبارك لكم وللأمة الإسلامية ولادة السيدة زينب سلام الله عليها

وتقبل الله أعمالكم

19/7/1439هـ

مسجد الإمام الرضا×

الحمد لله رب العالمين، ديان يوم الدين، خالق الخلائق أجمعين، وبه أستعين، وأصلّي وأسلم على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

هل بالضـريح عقيلة تتوسد *** أم صارم تحت الردى يتمردُ
جلا بزينب رمله والأرض كم *** تشقى بمن حَلُو بها أو تُسعدُ
خُلقٌ به فيما تألق حيدر *** وشمائلٌ يبدو بهن محمدُ
جمعتهما الزهراءُ فيكِ فأنتِ ما *** بين النبوة والإمامة معبدُ
ولقد رأيتكِ والمصائب والأسى *** هممٌ وحقدُ الظالمين يعربدُ
تتوكفين حصافة وصلابة *** وتُحذرين بيومٍ ما يأتي الغدُ

 أعطى الإسلام المرأة دوراً هاماً، له دوره وقيمته ورسالته، وله وظيفته التي تعد من أخطر وظائف المجتمع، وحين بزغ نور الإسلام كان جلياً دور نساء رائدات، فكان هناك الخنساء، وخولة بنت الأزور، ونسيبةُ بنتُ كعب المازنية، التي كانت تطبب الجرحى في الحروب، وكان هناك العالمات والعارفات والمثقفات، وكان هناك دور للمجاهدات في طليعتهن سمية أم عمار بن ياسر، التي تعرضت لأشد أنواع التعذيب من أجل سلب عقيدتها، فقاومت ولم تتخلى عن دينها ومبادئها، فطعنها أبوجهل بحربة، وكان الرسول| يقول: «أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة»([1]).

وكان هناك أسماء بنت عميس في هجرتها إلى الحبشة، ووقوفها إلى جانب زوجها جعفر (رضي الله عنه)، إلى غير ذلك من مواقف المؤمنات الصالحات اللواتي خلدهن تاريخ الإسلام.

نساء بيت النبوة

ولقد كان للمرأة المحمدية قصب السبق في تاريخ الإسلام واشتداد شوكته، فلقد فُقنَ غيرهن في كل زمان ومكان في أداء الوظيفة الدينية والمسؤولية الاجتماعية.

ومنهم خديجة الكبرى

وهي المرأة التي تحملت الأعباء الثقيلة في بداية الدعوة، فبذلت كل ما تملك من أموال في سبيل الله، وكانت أموالها لا تعد ولا تحصى، وكان مجتمع قريش بأجمعه يتاجر بأموالها، فساقت كل ذلك إلى بيت النبي| لينفقه في سبيل الله وتبليغ الرسالة.

وكانت أول من استقبل رسول الله في بداية نزول الوحي ووقفت معه، وكانت تقف خلف رسول الله وعلي في الصلاة وليس على ظهر الأرض في الدين إلا هؤلاء الثلاثة، حيث كان إيمانها في أول يوم وهو يوم المبعث، وهكذا كان موقف الزهراء÷ في نصرة علي بعد رسول الله|.

ومنهم زينب العقيلة

لقد وقفت العقيلة زينب مع أخيها الحسين× قبل كربلاء وبعد ذلك مواقف البطولة الهاشمية، وقدمت ولديها (يحيى وعون) وإخوتها وأبناء عمومتها شهداء في سبيل الله، وكانت تمشي بين جثث القتلى المتناثرة والدماء السائلة حتى تقف على جسد أبي عبد الله× وترمق السماء بطرفها وتقول: «اللهم تقبل منا هذا القتيل قرباناً لوجهك»([2])، وهي بصلابة لم يشهد التأريخ لها مثيلاً بشجاعتها العلوية وبطولتها الهاشمية.

وكانت تجمع العيال والأطفال، وتحمي العائلة في غياب الكفيل، وتمر عليها ليلة الحادية عشر بالحزن والأسى، والألم واللوعة، صابرة محتسبة، مصلية في ليلها، صلبة في موقفها.

وسجى الليل والرجال ضحايا *** والنساء المخدرات ذهولُ
واليتامى تشـرد وضياع *** والثكالى مدامع وعويلُ
وزنـودٌ قـسـت عليها سياطٌ *** جسومٌ يضـرى بها التنكيلُ
ودم شاطئ الفرات سبقى *** الدهرُ يرويه و الرُبى و النخيلُ

وليلة الحادية عشرة نادى المنادي: أحرقوا خيام الظالمين، وقفت على باب الخباء وقد أوشكت النار أن تأخذها، يقول حميد بن مسلم: فدنوت منها وقلت: أمة الله، النار قاربتكِ، فلم تجنبي، ثم أدرت وجهها إلي قائلة: يا ظالم، أنا أرى النار ولكن لنا عليل في هذه الخيمة. ثم دخلت عليه فقالت: يابن أخي، ماذا نصنع؟ قال: «فروا على وجوهكم في البيداء». يقول السيد الحلي:

مشى الدهر يومَ الطفِ أعمى فلم يدع *** عماداً لها إلا وفيه تعثرا
وجشمها المسـرى ببيداء قفرة *** ولم تدرِ قبل الطفِ ما البيدُ والسرى
ولم ترى حتى عينُها ظل شخصها *** إلى أن بدت في الغاضرية حُسـَّرى([3])

وهكذا وفقت ربة الخدر بكل صمود في وجه يزيد، وبكل شجاعة وصلابة وقالت له: «أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض، وضيقت علينا آفاق السماء، فأصبحنا لك في أسار، نساق إليك سوقاً في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار أن بنا من الله هوانا وعليك منه كرامة وامتناناً، وأن ذلك لعظم خطرك، وجلالة قدرك، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك تضرب أصدريك فرحاً وتنقض مذرويك مرحاً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور لديك متسقة وحين صفا لك ملكنا، وخلص لك سلطاننا، فمهلاً مهلاً لا تطش جهلاً أنسيت قول الله عز وجل: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ([4]).

أمن العدل يا بن الطلقاء؟! تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله‘ سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن؟»([5]).

إنها العقيلة فخر المخدرات، التي أوضحت أهداف ثورة الإمام الحسين×، وفضحت يزيد الطاغية وجلاوزته، ودافعت عن حياة زين العابدين، وحفظت النساء والأطفال، ووقفت صامدة شامخة بصوتها المدوي من أجل الحق والفضيلة، وفي ذاكرتها كل لحظة عاشتها مع الحسين× حتى وهي ممتدة على فراش الموت، ناسية نفسها، دامعة العين على أخيها:

قد ورثت من أمها زينب *** كل الذي جرى عليها وصار
وزادت البنت على أمها *** من دارها تـهـدى إلـى شر دار([6])

____________________

([1]) بحار الأنوار 18: 210 / 38.

([2]) شجرة طوبى 2: 393. حياة الإمام الحسين× (باقر شريف القرشي) 2: 301. وفيات الأئمة: 450.

([3]) ديوان السيد حيدر الحلي 1: 33.

([4]) آل عمران: 178.

([5]) الاحتجاج 2: 35.

([6]) موسوعة أدب المحنة: 425.



مولد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)

مولد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)

الحب الإلهي

خطبة الجمعة

10/4/1439 هـ

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمه، وتفضل علينا بكرمه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأصلّي وأسلم على آله الطاهرين.

عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن التقوى درع الله الحصين.

بك أستجير ومن يجير سواك *** فرحم ضعيفاً يحتمى بحماك
يا رب قد أذنبت فاغفر زلتي *** أنت المجيب لكل من ناداك

قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾([1]).

تكلمت الآيات الكريمة عن أحباء الله وأثنت عليهم، ووصفتهم بأنواع الصفات، قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ([2]). وقال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ([3]).

وتبين الآية الكريمة أن مقياس الشخصية المثالية، يمثل في الحفاظ على القيم النبيلة كالوفاء بعهد الله وتقوى الله سبحانه، ومثل هذا الشخص هو من يحضى بحب الله، وليس أهل الكذب والغدر والخيانة ومن يغتصب حقوق الآخرين. يقول الإمام الصادق×: «إن الله لم يبعث نبياً إلاّ بصدق الحديث وأداء الأمانة»([4]).

وقال سبحانه فيمن يحبهم: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ([5]).

وتؤكد الآية أن المؤمن عليه إذا عزم على أمر أن يتوكل على الله، ويستمد العون منه سبحانه، غير متجاهل استخدام الوسائل المطلوبة والمعمول بها في الحياة. وقد روي في حديث أن النبي‘ قال لأعرابي حضر عنده وقد ترك ناقته سادرة في الصحراء دون أن يعقلها حتى لا تفر أو تضل، ظناً بأن هذا من التوكل على الله: «إعقلها وتوكل»([6]).

لذلك ينبغي مع الأخذ بالأسباب التوكل على الله وعنايته ولطفه تعالى، فإن الله سبحانه يحب المتوكلين، خاصة إنه سبحانه أمرنا بالتوكل عليه: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ([7]).

وقال سبحانه فيمن يحبهم: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ([8]).

ولا شك أن الصفح الجميل هو من الخلق الحميدة، وسعة الصدر من الأمور المحمودة، والإحسان إلى المسيئين من خلق الأنبياء وأهل البيت الأطهار^.

مطهرون نقيات ثيابهم *** تجري الصلاة عليهم أين ما ذكروا([9])

وقال سبحانه فيمن يحبهم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ([10]).

وتحدثت الآية الكريمة عن تثبيت المسلمين بعد معركة أحد، وتشجعهم وتذكر لهم تضحيات من سبقهم من أصحاب الرسل الماضين وأتباعهم المخلصين الذين واجهوا المصاعب والشدائد في قتالهم أعداء الله تعالى ولم يشعروا بالضعف والهوان و التقهقر ولم يخضعوا لأعداء الله، ولاشك أن الله يحب مثل هؤلاء الصابرين، الذين يواجهون المشاكل بشجاعة وبسالة لا أن يكونوا انهزاميين في حياتهم.

ويقول سبحانه فيمن يحبهم: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ([11]). هكذا ينبغي أن يكون المؤمن حتى يحصل على حب الله تعالى، حيث إن محبة الله للإنسان هي مصدر السعادة، وقد ورد عن الصادق×: «حب الله إذا أضاء على سر عبد أخلاه عن كل شاغل وكل ذكر سوى الله عند ظلمة، والمحب أخلص الناس سر الله، وأصدقهم قولاً، وأوفاهم عهداً، وأزكاهم عملاً، وأصفاهم ذكراً، وأعبدهم نفساً تتباهى الملائكة عند مناجاته وتفتخر برؤيته، وبه يعمر الله تعالى بلاده، وبكرامته يكرم عباده، يعطيهم إذا سألوه بحقه، ويدفع عنهم البلايا برحمته، فلو علم الخلق ما محله عند الله ومنزلته لديه ما تقربوا إلى الله إلا بتراب قدميه»([12]).

وقال النبي‘: «إذا أحب الله عبداً من أمتي قذف في قلوب أصفيائه وأرواح ملائكته وسكان عرشه محبته ليحبوه، فذلك المحب حقاً، طوبى له ثم طوبى له، وله عند الله شفاعةٌ يوم القيامة»([13]).

وفي الرواية قال الراوي: سمعت أبا عبدالله× يقول: «لا يمحض الرجل الإيمان بالله حتى يكون الله أحب إليه من نفسه وأبيه وأمه وولده وأهله وماله ومن الناس كلهم»([14]).

وعن أمالي الشيخ الصدوق&، الحديث القدسي: «يابن عمران، كذب من زعم أنه يحبني، فإذا جنّه الليل نام عني، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه»([15]).

ونحن في هذا اليوم المبارك نحتفل بمولد حبيب من أحبائه تعالى، وعظيم من العترة الطاهرة، وهو الإمام الحسن العسكري×.

يوم ميلاده نهنئ أحمد *** ونزف البشـرى لآل محمد
مولد بالإله جاء مؤيد *** حاملاً نور أرضها وسماها
زين الله جمعنا بالتهاني *** حقق الله للمحب الآماني
وحمانا من كيد جور الزمان *** ولكل البلاد شراً كفاها

_______________

([1]) المائدة: 54.

([2]) المائدة: 42.

([3]) آل عمران: 76.

([4]) الكافي 2: 104، باب الصدق وأداء الأمانة، ح1.

([5]) آل عمران: 159.

([6]) ميزان الحكمة 4: 3661 / 4188. صحيحة ابن حبان 2: 509 / 729.

([7]) إبراهيم: 12.

([8]) المائدة: 13.

([9]) مناقب آل أبي طالب 3: 474.

([10]) آل عمران: 146.

([11]) البقرة: 222.

([12]) بحار الأنوار 67: 23 / 23.

([13]) بحار الأنوار 67: 23 / 23.

([14]) بحار الأنوار 67: 24 / 25.

([15]) الأمالي: 438 / 577.



صفات حمات الدين

صفات حمات الدين

مسجد الإمام الرضا×

خطبة الجمعة

الحمد لله الذي وسع العباد برحمته، وأنعم علينا بعظيم نعمته، وحبانا بجوده ومغفرته، ووفقنا في الدنيا لطاعته، ونهانا من معصيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأصلّي وأسلم على المعصومين من ذريته، سادة العباد وخيرته في بريته.

عباد الله اوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن التقوى زاد الآخرة.

فياعامر الدنيا ويا ساعياً لها *** ويا آمناً من أن تدور الدوائر
ولم تتزود للرحيل وقد دنا *** وأنت على حالٍ وشيكٍ مسافر
فيا لهف نفسـي كم أسوف توبتي *** وعمري فانٍ والردى لي ناظر
وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت *** يجازي عليه عادلٌ الحكمِ قادرُ([1])

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ([2]).

تحدثت الآية الكريمة عن المرتدين، وأن من يرتدّ عن دينه لن يضر الدين أو المجتمع أو تقدم الحالة الإسلامية أو تطورها؛ حيث إن حامي الدين هو الله تعالى القادر على الإتيان بقومٍ لحماية الدين والشريعة، وصفات هؤلاء الحماة هي:

* الصفة الاُولى: إنهم يحبون الله ولا يفكرون بغير رضاه، ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، قوم همهم التقرب من الخالق، وإزالة كل الموانع بينهم وبينه بالطاعة والعبادة.

وإذا حلت الهداية قلباً *** نشطت للعبادة الأعضاء([3])

يقول الرسول‘ في حق علي× في فتح خيبر: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كراراً غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه»([4]).

وفتح الله على يديه، واندحر اليهود وانتصر المسلمون بعلي×. يقول ابن أبي الحديد:

يا هازم الأحزاب لا يثنيه عن *** خوض الحمام مدججٌ ومدرعُ
يا قالع الباب الذي عن هزها *** عجزت أكف أربعون وأربع([5])

* الصفة الثانية: أذلة على المؤمنين، حيث يبدون التواضع والخضوع والرأفة أمام المؤمنين. والتواضع أحد الأسباب المزيلة لداء التكبر، ويرفع الإنسان في الدنيا، ويقربه من الله تعالى، وقد تواترت الأخبار بالحث عليه، وعن النبي‘ قال: «ما تواضع أحدٌ إلا رفعه الله»([6]). وقال‘ لأصحابه: «مالي لا أرى عليكم حلاوة العبادة؟» فانبروا قائلين: ما حلاوة العبادة؟ فقال: «التواضع»([7]). قال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.

* الصفة الثالثة: الشدة على الكفار، وإبراز القوة أمام الكفار الظالمين، قال تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، فلا يجوز للمؤمن أن يكون ذليلاً أمام الكافرين، ويتصف بالضعف والخضوع والمسكنة، بل عليه إظهار القوة والعزة؛ لإرهابهم وإدخال الرعب في قلوبهم وتشتت كلمتهم.

* الصفة الرابعة: الجهاد في سبيل الله، بحيث يكون شغلهم الشاغل الدفاع عن حياض الإسلام وحرماته من شر المعتدين وكيد الكافرين ومؤامرات المنافقين الذين دائماً يتربصون بمصالح المسلمين للفتك بهم. يقول علي× في نهج البلاغة: «أما بعدُ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وشَملَهُ البلاء، ودَيِثَ بالصغار والقماءة وضرب على قلبه بالإسهاب»([8]).

* الصفة الخامسة: أنهم لا يخافون في الله لومة لائم، بل يدافعون عن الحق، وينفذون أوامر الله تعالى، يقول تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، إنهم الذين يتحلون بالشجاعة ويمتلكون الجرأة في مواجهة الخرافات وعادات الجاهلية، والوقوف أمام مظاهر الإنحراف، التي تفتك بالمجتمع المتدين.

إن السكوت عن المنحرفين ومظاهر الفساد أمرغيرمقبول؛ لكي لا تسود الفوضى وتكثر المشاكل، بل علينا التعاون مهما أمكن للوقوف أمام المنحرفين بالطرق الرسمية والمشروعة، لنتغلب على الفوضى والفوضوين وأصحاب الأفكار المنحرفة المخلة بالأمن والأمان، الناشرة للفساد، والمثيرة للفتن، والتي تسعى لتفكيك أواصر المجتمع.

إن كل هذا يحتاج إلى الجرأة والشجاعة والشهامة والتعاون، حتى نخلص مجتمعنا من أصحاب الأفكار الضالة والمنحرفة، ومن المنحرفين والشاذين، وبذلك يصبح المجتمع مثالياً يشد بعضه بعضاً: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

الفرزدق ونصرة الحق

لقد وقف الفرزدق في وجه هشام بن عبد الملك، وأنكر عليه انتقاصه للإمام زين العابدين× حينما رأى الناس تنفرج عن طريقه وتجله وتحترمه فقال:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقي النقي الطاهرالعلم
وليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من أنكرت والعجم([9])

اللهم عجل فرج وليك، واجعل صلاتنا به مقبولة، وذنوبنا به مغفورة، ودعاءنا به مستجاباً، واجعل أرزاقنا به مبسوطة، وهمومنا به مكفية، وحوائجنا مقضية، واقبل إلينا بوجهك الكريم، واقبل تقربنا إليك. والحمد لله رب العالمين.

_________________

([1]) تاريخ مدينة دمشق 41: 407. شرح إحقاق الحق 28: 140.

([2]) المائدة: 54.

([3]) الفوائد الرجالية 1: 39. سبل الهدى والرشاد 1: 393.

([4]) الكافي 8: 351، كتاب الروضة، ح548.

([5]) الروضة المختارة (ابن أبي الحديد): 140.

([6]) الأمالي (الطوسي) : 56 / 80.

([7]) ميزان الحكمة 4: 3554 / 4092.

([8]) نهج البلاغة (صبحي الصالح): 69 / 27.

([9]) مناقب علي بن أبي طالب (ابن المغازلي): 311 / 394. تاريخ مدينة دمشق 41: 401.



ميلاد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)

ميلاد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)

مسجد الإمام الرضا×

خطبة الجمعة

19/3/1439

الحمد لله الذي أنار الدنيا بنور رسوله| أحمده وأستغفره وأتوب إليه، إنه هو التواب الرحيم، وأصلّي وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين، حبيب قلوب العالمين، محمد وآله الطاهرين، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له. عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن التقوى درع الله الحصين، وأبارك لكم أيام الميلاد الكريم.

لقد كرم الله النبي محمداً *** فأكرم خلق الله في الناس أحمد
وشق له من إسمه ليجله *** فذوالعرش محمودُ وهذا محمدٌ
نبي أتانا بعد يأس و فترة *** من الرسل والأوثان في الأرض تعبدُ
تعاليت رب العرش من كل فاحش *** فإياك نستهدي وإياك نعبدُ([1])

جاءت البشرى وهبت النسائم المعطرة، فطيبت الحجاز بطيب مقدس، حيث ولد من أسرة عربية عريقة، امتازت بطهارة أعراقها، وتجل مقاصدها الطيبة وعلو همتها العالية، فهي الأسرة الهاشمية العفيفة في أخلاقها، التي عرفتها العرب بحنفيتها على ملّة إبراهيم×، تحلت بالفضائل من الجود والكرم والخلق الرفيع، فكانت محمودة مشكورة.

ولما ولد تلّقى الأرض بمساجده السبعة رافعاً سبابته إلى السماء، يرافقه نور غطى أرجاء المكان. يقول البوصيري:

ليلة المولد الذي كان للدين *** سرور بيومه وازدهاء
فهنيئاً به لآمنةً الفضل *** الذي شُرفت به حواءُ
من لحوّاء إنها حملت أحمد *** أو أنها به نفساءُ
يوم نالت بوضعه ابنة وهب *** من فخار ما لم تنله النساءُ([2])

ولد النبي محمد| وخرج معه النور الذي أضاء القصور القيصرية، وانصدع الإيوان في المدائن الكسروية، وسقطت بعض شرفاته العلوية، وكسر عرش الملك كسرى، وخمدت نيران فارس، التي كانت مشتعلة ألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة، وكبرت الملائكة، وفتحت الجنان أبوابها، وأوصدت أبواب النيران، وتزينت الحور والولدان، ونادى المنادي: ولد المعروف في السماء أحمد وفي الأرض محمد. يقول أحمد شوقي:

بل بشـر الله السماء فزُينت *** وتضوعت مسكاً بك الغبراء
يوم يتيهُ على الزمان صباحه *** ومساؤه بمحمدٍ وضاءَ
ذعرت عروشُ الظالمين فزلزلت *** وعلت على تيجانهم أصداءُ
والنار خاوية الجوانب حولهم ***
فمدت ذرايتها وغاض الماءُ

وأقبل عبدالمطلب فرحاً مسروراً قد غمرته السعادة، وحمله إلى الكعبة، يسأل الله تعالى أن يعيذه من شرور الدنيا ومفاسدها، وشكر الله سبحانه أن وهبه هذا المولود المبارك، وطاف به سبعة أشواط، ثم وقف عند ركن الكعبة رامقاً بطرفه إلى السماء وهو يقول:

الحمدلله الذي أعطاني *** هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان *** أعيذه بالبيت ذي الأركان([3]) 

ثم رده إلى أمه حامداً لله تعالى الذي عوضه عن فقد ابنه عبد الله بنبينا محمد، وراح يذبح الذبائح ويطعم أهل الحرم والطيور ووحوش الفلا، وسماه محمداً|، وعق عنه في اليوم السابع بكبش حضره عامة قريش.

في النطق ألفاظ الكلام كثيرة *** وأجل ما في النطق اسم محمدٍ

وقيل([4]) إنه سماه محمداً بإلهام من الله تعالى تفؤلاً بأن يكثر حمدُ الخلق له، لكثرة خصاله الحميدة التي يحمد عليها.

يقول حسان:

فشق له من اسمه ليجله فذو *** العرش محمودٌ وهذا محمدُ([5])

وقد ورد: «أحب الأسماء إلى الله ما عبد وحمد»([6])، ولما كانت العبادة أشرف الخصال، والتسمي بها أشرف التسميات، سمي الخالقُ سبحانه حبيبه محمداً عبداً. فقال سبحانه: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا([7]).

أما اسم أحمد فقد جاء في الذكر الحكيم على لسان عيسى×: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ([8]).

يقول أحمد شوقي:

ولد الهدى فالكائنات ضياءُ *** وفم الزمان تبسمٌ وثناءُ
الروح والملأ الملائك حوله *** للدين والدنيا به بشـراءُ
والعرش يزهو والحضيرة تزدهي *** والمنتهى والسدرة العصماءُ

«اللهم صل على محمد وآل محمد في الأولين، وصل على محمد وآل محمد في الآخرين، وصل على محمد وآل محمد في الملأ الأعلى، وصل على محمد وآل محمد في المرسلين، اللهم اعط محمداً الوسيلة والشرف والفضيلة والدرجة الكبيرة، اللهم إني آمنت بمحمد| ولم أره فلا تحرمني يوم القيامة رؤيته، وارزقني صحبته، وتوفني على ملته، واسقني من حوضه مشرباً روياً سائفاً هنياً، لا أظمأ بعده أبداً، إنك على كل شيء قدير، اللهم كما آمنت بمحمد| ولم أره، فأرني في الجنان وجهه، اللهم بلغ روح محمد عني تحية وسلاماً»([9]).

أدم الصلاة على النبي محمد *** فقبولها حقاً بغير تردد
أعمالنا بين القبول وردها *** إلا الصلاة على النبي محمد

______________________

([1]) بحار الأنوار 22: 251، 35: 165.

([2]) سبل الهدى والرشاد 1: 355. السيرة الحلبية 1: 94.

([3]) الطبقات الكبرى 1: 103. تاريخ مدينة دمشق 3: 83. الفضائل (ابن شاذان): 23.

([4]) الروضة البهية 1: 231. السيرة الحلبية 1: 128.

([5]) مواهب الجليل 1: 19. بحار الأنوار 22: 252.

([6]) العهود المحمدية: 342.

([7]) البقرة: 23.

([8]) الصف: 6.

([9]) بحار الأنوار 83: 96 / 3، 266 / 36، ج91: 58 / 38.



الهجرة إلى المدينة

الهجرة إلى المدينة

مسجد الإمام الرضا×

خطبة الجمعة

12/3/1439هـ

الحمدلله بارء النسمات، وخالق الكائنات، ومنير الظلمات، والصلاة والسلام على نبي الهدى، ومصباح الدجى، المنصور المؤيد أبي القاسم محمد| وآله الطاهرين السادة المنتجبين.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق.

عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن التقوى زاد الآخرة.

بعد بيعة العقبة تنبهت قريش للخطر الحتمي المحدق بها فقامت قريش بمضايقة الرسول| والمسلمين، فعزم على الهجرة إلى المدينة المنورة، فوجّه المسلمين إلى ذلك سراً؛ هرباً من ظلم قريش وبطشها، ورغبة في تأسيس الدولة الإسلامية العادلة، فأمره الوحي قائلاً: «يا محمد، إن الله يأمرك أن تخرج من القرية الظالم أهلُها، فقد مات ناصرك»([1]). فقال| لمناصريه: «إن الله قد جعل لكم إخواناً في الدين يعزونكم وينصرونكم ويذودون عنكم بدافع الإيمان الصادق، وداراً تأمنون بها، وليكن خروجكم خفية؛ حتى لا تثور ثائرة قريش، وتحول بينكم وبين الخروج»([2]).

وبعد أن آخى بينهم، هاجر المسلمون ملبين نداء رسول الله| وممتثلين لأمره.

قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ([3]).

ورغم تعدي قريش على بعضهم إلا أن الهجرة نجحت، فاستقبلهم الأنصار في يثرب وأسكنوهم في بيوتهم، وفرشوا أرضها لإكرامهم، وقدموا لهم الطعام، وبذلوا لهم الأموال، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ([4]).

وقال قائلهم للنبي| حين قدم المدينة عليهم يصف كرمهم وجودهم: يا رسول الله، ما رأينا مثل قومٍ قدمنا عليهم أحسن مواساةً في قليل، ولا أحسن بذلاً من كثير؛ لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله([5]).

وهاجر المسلمون حتى لم يبقَ في مكة إلا الرسول| وعلي× وقليل من المسجونين أو المرضى.

وحينها اجتمعت قريش في دار الندوة، وقرروا قتل رسول الله| في داره، فجاء جبرئيل× وأخبره بالمكيدة، وقرأ عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ([6]).

وبعد نزول الآية الكريمة نادى علي× وقال: «يا علي، إن قريشاً قد تآمروا على قتلي، وإن الله قد أمرني أن أهجر دار قومي، وأذهب إلى غار ثور، ومنه إلى يثرب دار السلام، وأمرني أن آمرك بثلاث:

الأولى: أن تنام على فراشي مساء هذه الليلة.

الثانية: أن تبقى بعدي بمكة لتؤدي عني الودائع والأمانات.

الثالثة: أن تخلفني في أهلي، فإذا أديت الأمانات والودائع إلى أهلها تحمل ابنتي فاطمة ومن معها من الفواطم إلى المدينة، فما أنت قائل وصانع؟».

فقال علي×: «يا رسول الله أو تسلم؟» قال: «نعم». قال: «فداك نفسي وروحي».

فلما خرج من بيته قرأ عليهم: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ([7]).

فلم يره أحد في خروجه، ولما هجموا على الدار، وجدوا علياً، فوثب في وجوههم وهو يقول: «ما شأنكم؟ وما تريدون؟» قالوا: أين محمد؟ قال: «أجعلتموني عليه رقيباً»([8]).

قال×:

وقيت بنفسـي خير من وطئ الحصـى *** ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
محمدُ لما خاف أن يمكروا به *** فوقّاه ربي ذوالجلال من المكرِ
وَبِتُّ أُراعِيْهِم مَتَى ينشـرُونَني *** وَقَدْ وطنت نَفْسـي عَلَى القَتْلِ والأسْر
وبات رسول الله في الغار آمناً *** هناك وفي حفظ الإله وفي سترِ([9])

 يقول الكعبي:

ومواقف لك دون أحمد جاوزت *** بمقامك التعريف والتحـديدا
فعلى الفراش مبيت ليلك والعدى *** تهدي إليك بوارقا ورعودا
فرقـدت مثلوج الفؤاد كأنما *** يهدي القراعُ لسمعك التغريدا
فكفيت ليلته وقمت مفاديـاً *** بالنفـس لا فشلا ولا رعديدا([10])

وخرجوا خلف الرسول| يبحثون عنه حتى وقفوا على الغار، فلم يروه، قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ([11]).

وخرج الرسول الأكرم| وهو يقول: «اللهم إنك تعلم إنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ، فأسكنّي أحب البلاد إليك».

فأنزل الله تعالى عليه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ([12]). وتوجه نحو المدينة، ومشى ما يقارب خمس مائة كيلو، يمشي ليلاً ويستريح نهاراً.

_______________________

([1]) بحار الأنوار 35: 174.

([2]) انظر مناقب آل أبي طالب 1: 158.

([3]) الحشر: 8.

([4]) الحشر: 9.

([5]) تاريخ المدينة 2: 490. البداية والنهاية 3: 280.

([6]) الأنفال: 30.

([7]) يس: 9.

([8]) بحار الأنوار 19: 50 / 8.

([9]) الأمالي (الطوسي): 469 / 1031.

([10]) شجرة طوبى 2: 238.

([11]) التوبة: 40.

([12]) انظر روضة الواعظين: 406. مستدرك الوسائل 9: 345 / 11046. انظر تفسير السمعاني 4: 162. القصص: 85.



رحيل الرسول

رحيل الرسول

مسجد الإمام الرضا×

خطبة الجمعة

27/2/1439هـ

الحمد لله الذي أضاء قلوبنا، وأنار بهدي النبي| دروبنا، وعلى طريق الحق ثبت أقدامنا، ولاتباع سنة نبيه وأهل بيته وفقنا، ونصلّي ونسلم على الرسول الأمين، حبيب قلوب العالمين، وخير الخلق أجمعين، وعلى أخيه أميرالمؤمنين، وعلى الزهراء سيدة نساء العالمين، وآله الطيبين الطاهرين.

قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا *** فمذ فُقدت فكل الخير محتجبُ
فليت قبلك كان الموت صادفنا *** إذ لا سواك لنا تُجلى به الكرب
إنا رُزينا بما لم يُرزَ ذو شجنٍ *** من البرية لا عجم ولا عرب
فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت *** منا العيون بتهمال لها سكب([1])

قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ([2]).

وضع الرسول الأكرم| أسس الشريعة كخاتمة للشريعة الإسلامية في مدة عشر سنين احتضنت المدينة المنورة رسول الأمة ورسالة السماء، باذلةً كل ما في وسعها، حتى سقطت الأوثان والطواغيت وقامت راية الإيمان، ونبينا| توطد الأمن، وثبتت أركان العقيدة، وأوضحت معالمُ الرسالة، وصار الإسلامُ منهجاً بقرآنه وسنة نبيه وتعاليم أهل بيته وجهود الصحابة المرضيين.

وفي حِجة الوداع لاحت علامات انتقال النبي| إلى الرفيق الأعلى، وكان همه حفظ الدولة الإسلامية، وفي نهاية حياته قام بخطوات عديدة:

* الخطوة الأولى: تجهيز جيش أسامة إلى الشام ليقوم بغزو الروم، بحشد أكبر عدد ممكن من الصحابة، ورغم مرضه إلا أنه عقد لواء الجهاد لأسامة بن زيد، وحثّ الناس للخروج تحت إمرته، وأمر مناديه أن ينادي: «جهزوا جيش أسامة…»، وصار ينادي بنفسه|: «جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عن جيش أسامة»([3]).

* الخطوة الثانية: الاستغفار لأهل البقيع، حيث دعا بعلي× وقال له: «إني أمرتُ بالاستغفار لأهل البقيع، فانطلق معي يا علي، إن جبرئيل كان يَعرِضُ عليّ القرآن في كل سنة مرة واحدة، وقد عرض عليّ هذا العام مرتين، ولا أراه إلا لحضور أجلي».

فخرجا إلى البقيع وصار النبي| يقول: «السلام عليكم يا أهل المقابر، هنيئاً لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولَها»([4]).

* الخطوة الثالثة: التحدث للناس. حيث خرج للمسجد، وخطب في الناس وقال: «معاشر أصحابي! أي نبي كنت لكم؟ ألم أجاهد بين أظهركم؟ ألم تكسر رباعيتي؟ ألم يعفر جبيني؟ ألم تسل الدماء على حر وجهي حتى كنفت لحيتي؟ ألم أكابد الشدة والجهد مع جهال قومي؟ ألم أربط حجر المجاعة على بطني؟» قالوا: بلى يا رسول الله، لقد كنت لله صابراً، وعن منكر بلاء ناهياً، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء قال: «وأنتم فجزاكم الله»([5]).

ثم نادى في الناس: «فمن كان له عندي عِدة فليأتني أعطه إياها، ومن كان له عندي دين فليخبرني به، فليس بين الله و بين أحدٍ شيء يعطيه به خيراً أو يصرف عنه به شراً إلا العمل الصالح»([6]). وأوصاهم بالثقلين خيراً. وصلى بالناس وعاد إلى فراشه من شدة التعب.

يقول ابن سعد، في الطبقات الكبرى: وفيما هو في الشدة في بيته وعنده عدة من أصحابه قال: «إئتوني بدواة و قرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً». فقال أحدهم: إنه يهجر.

أوصى النبي وقال قائلهم *** قد ظل يهجر سيد البشـر

فلما تنازعوا فيما بينهم، قال لهم الرسول|: «قوموا، فما ينبغي أن يكون بين يدي نبي خلاف». فقالوا يا رسول الله نأتيك بدواة وبياض؟ قال: «أما بعد الذي قُلتم فلا، دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيراً». وأعرض بوجهه عن القوم([7]).

* الخطوة الرابعة: وصاياه لأهل بيته. حيث طلب علياً× وجعل يناجيه طويلاً، قال علي×: «علّمني ألف باب من العلم، يُفتح لي من كل باب ألفُ باب، وأوصاني بما أنا فاعله»([8]). فلما أُغمي عليه بكت فاطمة ونادت: «وا كرباه لكربك يا أبتاه، نفسي لنفسك الفداء». فضمّها إلى صدره، وأخبرها أنها أول أهل بيته لحوقاً به. ثم أغمي عليه، فانكبّت عليه تبكي وتقول:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تطوف به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل([9])

__________________

([1]) مناقب آل أبي طالب 3: 136. بحار الأنوار 43: 196 / 27.

([2]) آل عمران: 144.

([3]) بحار الأنوار 30: 432.

([4]) بحار الأنوار 22: 466 / 19.

([5]) بحار الأنوار 22: 507 / 9.

([6]) بحار الأنوار 22: 467 / 19.

([7]) الطبقات الكبرى 2: 242.

([8]) بحار الأنوار 22: 522 / 29.

([9]) انظر بحار الأنوار 22: 470 / 19، 509 / 9، 521 / 29.



Real Time Web Analytics