مقالات دينية

شرح دعاء كميل (7)

28 می 2015
التصنيف: عام، مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء كميل (7)

﴿وبِعِزَّتِكَ الّتي لا يَقومُ لَها شَيءٌ﴾

 العزّة: المغالبة والممانعة، أو بمعنى القوّة، وجاءت لندرة الوجود.

وفي القاموس: «عزّ يعزُّ عزّاً وعزّةً وعزازةً ـ بكسرها في الثلاثة ـ صار عزيزاً، كتعزّز، وقوي بعد ذلّة. و أعزّه وعزّزه، والشّيءُ: قلّ، فلا يكاد يوجد»([62]).

فإن اُخذت بمعنى ندرة الوجود فباعتبار رؤيته تعالى في صورة مظاهره الأكملين النادريّ الوجود الأقلّين، كما قال×: «هؤلاء الأقلّون»([63]).

وقيل:

خليلي قطّاع الفيافي إلى الحمى             كثيرٌ وأمّا الواصلون قليلُ([64])

وإن اُخذت بمعنى القوّة بعد الذلّة، فمن باب التجريد؛ إذ لا أوّلية لعزّته تعالى، ولا تكون له ذلّة حتّى انصرف منها و صار عزيزاً ووجدت له عزّة بعد ذلّة، بل هو العزيز المقتدر أزلاً أبداً، لا يعتريه فترة، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

ولكنّ الحقّ، أن عزّته تعالى كسائر صفاته الحقيقية عين ذاته، وكيف كان لها مقاوم و مقابل،  والحال أنّه لا ثاني له تعالى، ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾([65]).

الهوامش:

([62]) القاموس المحيط 2: 182، مادة «عزز»، وفيه: «عزّ يعزُّ عزّاً وعزّةً ـ بكسرهما ـ وعزازة : صار عزيزاً، كتعزز …».

([63]) الكافي 1: 335، باب «نادر في حال الغيبة»، ح 3.

([64]) نُسب هذا البيت إلى عبد القاهر الجيلي، انظر: الصوارم المهرقة: 269.***

([65]) آل عمران: 18.



شرح دعاء كميل (٦)

21 می 2015
التصنيف: عام، مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء كميل (٦)

﴿وَبِجَبَروتِكَ الّتِي غَلبَتَ بِهَا كُلَّ شَيء﴾

[وجه تسمية عالم العقول بالجبروت]

جبروت: فَعَلُوت، من الجبر، وهو تعالى جبّار؛ لأنّه يجبر نقائص الممكنات بإفاضة الخيرات عليها، ويكسو العناصر صور المركبّات، فيجبر نقصانها. وخصّ استعمالها بعالم العقول، طوليّة كانت أو عرضيّة، صعوديّة كانت أو نزوليّة.

[وجه تسمية عالم الأسماء و الصفات باللّاهوت]

كما أنّه خصّ استعمال «اللّاهوت» بعالم الأسماء والصّفات، أي عالم الواحديّة، وهو المسمّى في لسان الشرع الأنور بـ«الأفق الأعلى» و«الأفق المبين»، وهو مقام: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾([44]). وهو منتهى سير السالكين العارفين، وكان مقام نبيّنا محمّد‘ ،وإلى ذلك المقام أشار جبرئيل بقوله: «لو دنوت أنملة لاحترقت»([45])، كما قيل:

احمد ار بگشايد آن پر جليل  

تا ابد مدهوش ماندجبرئيل([46])

 

[وجه تسمية عالم المثال بالملكوت]

وخصّ  استعمال «الملكوت» بعالم الباطن من عالم المثال الأعلى والأسفل، أي عالم النفوس مطلقاً وعالم الصور الصرفة، وبإصطلاح حكماء الإشراق([47]): عالم المُثل المعلّقة.

[وجه تسمية عالم الأجسام بالنّاسوت]

وخصّ استعمال «الناسوت» بعالم الطبائع، أي عالم الجسم والجسماني، وبعبارة اُخرى: عالم الزمان والزمانيّات.

كما أنّ «الملكوت» يطلق على عالم الدّهور أيضاً، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾([48]).

فليعلم أنّ أوّل ما صَدَر من الحقّ الحقيقي هو العقل الأوّل، والممكن الأشرف الأجلّ، كما قال‘: «أوّل ما خلق الله تعالى العقل»([49])، وبرواية اُخرى: «أوّل ما خلق الله نورى»([50])، و«روحى»([51]). وهو المسمّى في الكتاب الإلهي والفرقان السّماوي بـ«اُمّ الكتاب» كقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾([52])، و بـ«القلم» كقوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾([53]).

فهو لاشتما له على جميع الحقائق؛ لكونه بسيط الحقيقة، جامعاً لكمالات ما دونه بنحو اللّف والجمع، سُمّى بـ«اُمّ الكتاب»؛ إذ الاُمّ بمعنى الأصل، فهو أصل جميع الكتب ومنبعها، وكتابيّته باعتبار ماهيّته.

كما أنّ عالم العقول بهذا الاعتبار سُمّى بـ«الأرض البيضاء»، كقوله×: «إنّ لله أرضا بيضاء مشحونة خلقاً، يعبدون الله ويسبّحونه ويهلّلونه، ولا يعلمون أنّ الله خلق آدم ولا إبليس»([54])؛ وذلك لأنّ الوجود المنبسط والرحمة الواسعة تختلف أسماؤه باعتبارات شتّى [في] نفس الأمريّة، فإنّه مضافاً إلى الله تعالى إيجاده وصنعه كما مرّ، ومضافاً إلى الماهيّة وجودها، ومن حيث إنّه كالقلم بين أصابع الرّحمن يكتب على صفحات القوابل: «قلم»، ومن حيث المثبت في الألواح العالية من اللوح المحفوظ ولوح القدر «كتابة» كما قيل:

به نزد آنكه جانش در تجلّی است
عرض اعراب وجوهر چون حروف است

ازو هر عالمي چون سوره اي خاص

همه عالم کتاب حق تعالی است
مراتب همچو آياتُ وقوف است
يکی زان فاتحه و آن ديگر اخلاص([55])

ومن حيث كونه علّة مؤدّية لوجود المقضي: «قضاء»، و من حيث إنّه يعيّن شكل المقضي و يقدّر مقداره: «قدر».

وبالجملة: من حيث إنه كلمة «كن» الوجوديّة: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾([56]).

ثمّ صدر بتوسّطه العقل الثّاني، ثمّ الثالث، إلى العاشر، وهو المسّمى عند الحكماء([57]) بـ«العقل الفعّال»، وعند العرفاء([58]) بـ«روح القدس»، وفي لسان الشّرع الأطهر بـ«جبرئيل».

وهذا التّرتب العلّي بين العقول العشرة على طريقة حكماء المشّائين([59])، وأمّا على مذهب الإشراقييّن([60]) لا ترتّب بينها، بل هي عندهم متكافئة، ولا نهاية لها.

والعرفاء يسمّون العقول: أرباب الأنواع، فالجبروت اسم لذلك العالم جملة.

فقد عُلم ـ بما ذكر ـ أنّ وجود العقول غالب ومقدّم على كلّ شيء؛ لأنّه أصل في التحقّق والجعل، فهو غالب على جميع الماهيّات، وقاهر عليها بالحقّ بعد الحقّ، فهو تعالى إذا كان بجبروته ـ الّتي هي عالم من عوالمه ـ قاهراً على الأشياء، فمقهوريّة الكلّ تحت نور ذاته ظاهرة لا خفاء فيها ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾([61]).

الهوامش

([44]) النجم: 9.

([45]) مناقب آل أبي طالب 1: 155. بحار الأنوار 18: 382/ 86.

([46]) انظر: شرح مثنوي (حاج ملا هادي السبزواري) 1: 431.

([47]) رسائل شيخ إشراق 2: 230.

([48]) الأنعام: 75.

([49]) عوالي اللئالي 4: 99/ 141. بحار الأنوار 1: 97/ 8.

([50]) عوالي اللئالي 4: 99/ 140. بحار الأنوار 1: 97/ 7.

([51]) شرح أصول الكافي 12: 12. بحار الأنوار 54: 309.

([52]) الرعد: 39.

([53]) القلم: 1.

([54]) عوالي اللئالي 4: 100/ 144. مختصر بصائر الدرجات: 12. باختلاف فيهما.

([55]) انظر: شرح الأسماء الحسنى (حاج ملا هادي السبزواري) 1: 150 ـ 151.

([56]) إبراهيم: 24.

([57]) انظر: شرح الأسماء الحسنى (حاج ملا هادي السبزواري) 2: 34.

([58]) الإنسان الكامل 2: 8.***

([59]) انظر: كتاب المشارع والمطارحات (ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق) 2: 450.***

([60]) انظر: كتاب حكمة الإشراق (ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق) 1: 139 ـ 140.***

([61]) الأنعام: 18.



شرح دعاء كميل (٥)

15 می 2015
التصنيف: عام، مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء كميل (٥)

﴿وَخَضَعَ لَها كُلُ شَيء وَذَلَّ لَها كُلُ شَيء﴾

الضمائر الثلاثة راجعة إلى القوّة. والخضوع ـ كالخشوع ـ : التواضع خوفاً ورجاءً، وقد يُفرّق بينهما بأنّ الخضوع يستعمل في البدن، والخشوع في الصّوت([39])، مثل قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾([40]).
وقد لا يفرق بأنّ الخضوع أيضاً استعمل في القول والصّوت، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾([41]).
فقوله: ﴿و خضع لها كلّ شيء وذلّ لها كلّ شيء﴾ مثل قوله تعالى: ﴿عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾([42]) أي: ذلّت وخضعت الوجودات له تعالى؛ لأنّه مالك رقابها، وآخذ بناصيتها، وقيّومها ومقوّمها، وبفيضه تعالى قوام الأشياء، وبسببه حياتها.

گرفيض تو يک لمحه به عالم نــــرسد *** معــــلوم شود بود و نبود همه کس([43])

﴿وذلّ﴾ من الذلّ ـ بالضم ـ  ضدّ العزّ، أي هان لها كلّ شيء. ويحتمل أن يكون من الذلّ ـ بالكسر ـ ضدّ الصعوبة، أي انقاد لها كلّ شيء.

الهوامش

([39]) انظر: الفروق اللغوية: 216/ 844.
([40]) طه: 108.
([41]) الأحزاب: 32.
([42]) طه: 111.
([43]) انظر: شرح مثنوي (حاج ملا هادي السبزواري) 1: 230.



سطور من النور بمناسبة شهادة الإمام الكاظم عليه السلام

14 می 2015
التصنيف: عام، مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

سطور من النور بمناسبة شهادة الإمام الكاظم عليه السلام

نعزي صاحب العصر والزمان والأمة الإسلامية بشهادة الإمام الكاظم عليه السلام، تقبل الله أعمالكم…

قال الإمام الكاظم عليه السلام:

مَن لَم یجِد لِلاساءَةِ مَضَضّا لَم یکن عِندَهُ لِلاِحسانِ مَوقعٌ

بحارالأنوار، جلد 78، ص333

مَن دَعا قَبلَ الثَّناءِ عَلَی الله و الصَّلاة عَلَی النَّبِي (صلی الله علیه وآله) كَانَ كَمَن رَمی بِسَهمٍ بِلا وَتر

تحف‌العقول ، ص‌ 425

أوشَک دَعوَةً‌ وَ أسرَعُ إجابَةُ دُعاءُ المَرءِ لاِخیهِ‌ بِظَهرِ الغَیبِ

أصول الکافي،ج1 ،ص52

مَن أرادَ أن یکنَ‌ أقوَی النّاسِ‌ فَلیتَوکل عَلی الله

بحار الأنوار، ج7 ، ص143

أفضَلُ العِبادَةِ بَعدِ المَعرِفَةِ‌ إِنتِظارُ‌ الفَرَجِ

تحف العقول، ص403

تَفَقَّهوا في دینِ الله فإنَّ الفقه مفتاحُ البَصیرة،وتَمامُ العِبادة و السّببُ إلی المنازل الرفیعة و الرُّتبِ الجَلیلة في الدین و الدنیا،و فَضلُ الفَقیه علی العابد كَفَضلِ الشمسِ علی الكواكب و مَن لَم یَتَفَقَّه في دینهِ لَم یَرضَ اللهُ لهُ عملاً

تحف العقول ص410

لَیسَ مِنّا مَن لَم یُحاسِبْ نَفسَهُ في كُلِّ یَومٍ فَإنْ عَمِلَ حَسَناً استَزادَ اللهَ و إنْ عَمِلَ سیّئاً اسْتَغفَرَ اللهَ مِنهُ و تابَ اِلَیهِ

أصول الكافي ج4 ص191

وَاللّه‏ِ ما اُعطِىَ مُومِنُ قَطَّ خَیرَ الدُّنیا وَالآخِرَةِ، اِلاّ بِحُسنِ ظَنِّهِ بِاللّه‏ِ عَزَّوَجَلَّ وَ رَجائِهِ لَهُ وَ حُسنِ خُلقِهِ وَالکفِّ عَنِ اغتیاب المُؤمِنینَ

بحارالأنوار، ج 6، ص 28، ح29



أثر حق محمد وآله في المغفرة

13 می 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

أثر حق محمد وآله في المغفرة

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن عبداً مكث في النار سبعين خريفاً، والخريف سبعون سنة، ثم إنه سأل الله بحق محمد وأهل بيته: لما رحمتني.

فأوحى الله إلى جبرئيل أن اهبط إلى عبدي فأخرجه – إلى أن قال: – عبدي كم لبثت في النار تناديني؟

قال: ما أحصي يا رب.

فقال له: وعزتي وجلالي لولا ما سألتني به لأطلت هوانك في النار ولكني حتمت على نفسي أن لا يسألني عبد بحق محمد وأهل بيته إلا غفرت له ما كان بيني وبينه، وقد غفرت لك اليوم.

وسائل الشيعة



ما هي التوبة النصوح؟

12 می 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

ما هي التوبة النصوح؟

نقل العلامة المجلسي (عليه الرحمة) في معنى التوبة النصوح عدة وجوه ذكرها المفسرون.

(منها: أن المراد توبة تنصح الناس، أي تدعوهم إلى أن يأتوا بمثلها لظهور آثارها الجميلة في صاحبها، أو تنصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود إليها أبداً.

ومنها: أن النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه، من قولهم: عسل نصوح، إذا كان خالصاً من الشمع. بأن يندم على الذنوب لقبحها أو كونها خلاف رضا الله سبحانه، لا لخوف النار مثلاً.

ومنها: أن النصوح من النصاحة، وهي الخياطة، لأنها تنصح من الدين ما مزقته الذنوب، أو يجمع بين التائب وبين أولياء الله وأحبائه كما تجمع الخياطة بين قطع الثوب.

ومنها: أن النصوح وصف للتائب، وإسناده إلى التوبة من قبيل الإسناد المجازي، أي توبة ينصحون بها أنفسهم بأن يأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه حتى تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية، وذلك بإذابة النفس بالحسرات، ومحو ظلمة السيئات بنور الحسنات).

إلى أن قال: (وفي كلام بعض الأكابر أنه لا يكفي في جلاء المرآة قطع الأنفاس والأبخرة المسودّة لوجهها، بل لابد من تصقيلها وإزالة ما حصل في جرمها من السواد، كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي وكدوراتها مجرد تركها وعدم العود إليها، بل يجب محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات، فإنه كما يغمر القلب من كل معصية ظلمة وكدورة، كذلك يرتفع إليه من كل طاعة نور وضياء، فالأولى محو ظلمة كل معصية بنور طاعة تضادها، بأن ينظر التائب إلى سيئاته مفصلة، ويطلب لكل سيئة منها حسنة تقابلها، فيأتي بتلك الحسنة على قدر ما أتى بتلك السيئة.

فيكفّر استماع الملاهي مثلاً باستماع القرآن والحديث والمسائل الدينية.

وكيفر مس خط المصحف محدثاً بإكرامه وكثرة تقبيله وتلاوته، ويكفر المكث في المسجد جُنباً بالاعتكاف فيه وكثرة التعبد في زواياه، وأمثال ذلك…

وأما في حقوق الناس فيخرج من مظالمهم أولاً بردها عليهم، والاستحلال منهم، ثم يقابل إيذاءه لهم بالإحسان إليهم، وغصب أموالهم بالتصدق بماله الحلال، وغيبتهم بالثناء على أصل الدين وإشاعة أوصافهم الحميدة، وعلى هذا القياس يمحو كل سيئة من حقوق الله أو حقوق الناس بحسنة تقابلها من جنسها، كما يعالج الطبيب الأمراض بأضدادها).



شرح دعاء كميل (٤)

10 می 2015
التصنيف: عام، مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء كميل (٤)

﴿وبقُوَّتِكَ الَّتي قَهَرْتَ بِها كُلَّ شَيء﴾

المراد بالقوّة: القدرة، لا استعداد الشيء، كالتي هي قسط الهيولى من مطلق الكمال، كما عرفت بأنّها جوهر بالقوّة المحضة، جنسها مضمّن في فصلها، وفصلها مضمّن في جنسها.
[القوى العشرة الظاهرة و الباطنة]
ولا من سنخ القوى العشر التي أودعها الله تعالى في الإنسان، سبعة منها مدركة للجزئيات، وهي: الواهمة المدركة للمعاني، والحسّ المشترك، والباصرة، والسامعة، والذائقة، والشامّة، واللامسة. وإثنتان منها هما المحرّكة: محرّكة العاملة ومحرّكة الشوقيّة. وعاشرها: العقل، أي العاقلة، وهي المدركة للكليّات، وهي منشعبة إلى أربع قوى:
[انشعاب العقل الى أربع قوي]
أحدها: هي القوّة الغريزيّة التي يستعدّ بها الإنسان لادراك العلوم النظريّة، ويفارق بها البهائم، فكما أنّ الحياة تهيّئ الجسم للحركات الإرادية والإدراكات الحسيّة، فكذا القوة الغريزية تهيّئ الإنسان للعلوم النظريّة والصناعات الفكرية.
الثانية: قوّة يحصل بها العلم بأنّ الإثنين مثلاً أكثر من الواحد، والشخص الواحد لا يكون في زمانين ومكانين.
والثالثة: قوّة تحصل بها العلوم المستفادة من التجارب بمجارى الأحوال.
والرابعة: قوّة بها يعرف الإنسان عواقب الأمور، فيقمع الشهوة الداعية إلى اللذّة العاجلة، ويتحمّل المكروه العاجل لسلامة الآجل.
فإذا حصلت تلك القوى سمّى صاحبها: عاقلاً، فالأُولى والثانية حاصلة بالطبع، والثالثة والرابعة حاصلة بالإكتساب.
وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين× بقوله:
«رأيت العقل عقلين                  فمطبوع ومسموعُ
ولم ينفعك مسمـوع                   إذا لم يك مطبــوعُ
كما لا تنفع الشّمس                    وضوء العين ممنوعُ»([38])
وإنّما لا يجوز اطلاق القوّة بهذه المعاني على الله تعالى؛ إذ جميع ذلك استعدادات وإمكانات وانفعالات وإن نعدّها وجودات، فكانت من جملة قدرته الفعليّة التي سنفصّل لك ونبيّن أن جميعها جهات قادريّته تعالى.
بل القدرة ـ كالعلم ـ ذات مراتب، ومرتبة منها هي الواجبة بذاتها، وهي قدرته الذاتية. ومرتبة منها عين الوجود المنبسط، وهي قدرته الفعليّة.
وجميع الأشياء مقدروات لله تعالى بهذه القدرة الفعليّة، وانقهارها استهلاكها واضمحلالها تحتها؛ لأنّها بذواتها ليست أشياء على حيالها، ولهذا ورد عن الشرع الأنور: «لا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم».
وقوله: ﴿وبقوتك الّتي قهرت بها كلّ شيء﴾ أي بقوّتك الفعليّة التي هي تحت قدرتك الذاتيّة التي قهرت بها جميع المقدورات. والباء في قوله: «بها» سببيّة، أو بمعنى: مع.

الهوامش

([38]) نهاية الأرب في فنون الأدب 3: 234.



شرح دعاء كميل (٣)

6 می 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء كميل (٣)

﴿اَسألُكَ﴾

السؤال يستعمل في الداني بالنّسبة إلى العالي، بخلاف الالتماس فإنه يستعمل في المساوي، وأمّا في العرف فاشتهر بعكس ذلك.

﴿بِرَحْمَتِكَ الَّتي وَسِعَتْ كُلّشَيَءٍ﴾

المراد بالرحمة هنا: الوجود المطلق الذي هو قسم من مطلق الوجود والمشيّة الفعليّة، كما ورد: «إنّ الله خلق الأشياء [بالمشيئة] والمشيئة بنفسها»([33]). والوجود المنبسط والفيض المنبسط الّذي فاض على كلّ الماهيّات والأعيان الثابتات المرحومة بها، والفيض المقدّس؛ لأنّه بذاته عارية عن أحكام الماهيّات، كما أنّ ظهور ذاته تعالى بالأسماء والصّفات في المرتبة الواحديّة يسمّى بالفيض الأقدس، لا ما هو عبارة عن رقّة القلب؛ لأنّ استعمالها خاصّة بالممكن، يقال: فلان رحيمٌ، أي رقيق قلبه، يعني: إذا رأى فقيراً مثلاً ـ وهو ذو النّعمة وَ السّعة ـ يرحم عليه بالإعطاء.
ومن ألقاب ذلك الوجود المطلق الذي عبّرنا به عن الرحمة: النفس الرحماني، والإبداع، والإرادة الفعليّة، والحقيقة المحمّدية‘.
[مراتب الوجود]
وتحقيق ذلك: أنّ للوجود مراتب مختلفة بالشدّة والضّعف: الوجود الحقّ، والوجود المطلق، والوجود المقيّد.
فالأوّل: هو الوجود المجرّد عن جميع الأوصاف والألقاب والنّعوت.
والثّاني: هو صنع الله وفيضه المقدس، ومشيئته الفعليّة، ورَحمته الواسعة، وإبداعه وإرادته الفعليّة، والنّفس الرحمانيّة، وعرش الرحمن، والماء الذي به حياة كلّ شيء، وكلمة «كن» الّتي أشار إليها أمير المؤمنين× بقوله: «إنّما يقول لما أراد كونه: كن فيكون، لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع»([34]). وفعل الله، وبرزخ البرازخ، وغير ذلك من الأوصاف والألقاب.
والثالث ـ أي الوجود المقيّد ـ : هو أثره تعالى، كوجود العقول والنفوس، والملك والفلك، والإنسان و الحيوان، وغير ذلك.
[الرحمة الرحيميّة و الرحمة الرحمانيّة]
فإذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الرحمة رحمانيّة ورحيميّة، وهي مختصّة بأهل التّوحيد، وهم العالمون بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر. وبالجملة: الذين هداهم الله إلى صراط مستقيم، وعرّفهم توحيده وأنبيائه وأوليائه وما جاء به النبيّون.
والرحمة الرحمانيّة لا تختصّ بشيء دون شيء، بل هي وسعت كلّ شيء، ومرحومة بها جميع الماهيّات، من الدرّة البيضاء إلى الذرّة الهباء، حتّى أنّ الكافر والكلب والخنزير وإبليس، وكلّ ما تراه في غاية القذارة والحقارة والملعنة أيضاً مرحومة بها؛ إذ تلك الرحمة أمر الله الذي يأتمر به كلّ موجود، وكلام الله الذي لا خالق ولا مخلوق، وفعل الله الذي اشتمل على كلّ المفاعيل، وخطاب الله المتخاطب به جميع الأعيان الثابتة، وصنع الله الذي كلٌّ مصنوع بذلك الصنع.
فمن كان له عقل صريح وقريحة مستقيمة يعلم أنّ الصانع هو الله، والصنع ذلك الوجود، والمصنوع الموجودات، وكذلك الآمر والأمر والمؤتمر، والخالق والخلق والمخلوق، والمتكلّم والكلام والمخاطب، والرحمن والرحمة والمرحوم، وهكذا.
وفي الحديث القدسي قال: «رحمتي تغلب على غضبي»([35])، يعني: تعلّق إرادته تعالى بإيصال الرحمة أكثر من تعلّقها بإيصال العقوبة، فإنّ الرحمة من مقتضيات صفة الرحمانية والرحمية، والغَضَب ليس كذلك، بل هو باعتبار المعصية.
وفي الحديث: «إنّ لله تعالى مأة رحمة»([36]).
أقول: كأنّه× أراد الكثرة لا تحديد الرحمة؛ إذ علمت أنّ رحمته تعالى صفته، وصفات الله كلّها غير متناهية، فإنّه حُقّق في موضعه أنّ صفاته الحقيقيّة عين ذاته تعالى، وذاته غير متناهية عدّة ومدّة وشدّة، فكذلك صفاته غير متناهية.
ثمّ إنّ الشيء في قوله: ﴿كلّ شيء﴾ بمعنى: مشيء وجوده، وهو الماهيّة؛ إذ هي مشيء وجودها.
والباء في قول السّائل ﴿برحمتك﴾ إلى آخره، للاستعانة، ويجوز أن يكون للسببيّة، وفيه إشارة إلى أنّه مرحوم بكلتا الرّحمتين.
أمّا بالرّحمة الرّحمانيّة، فوجوده ومشاعره وأعضاؤه وجوارحه جميعاً شاهدة على مرحوميّته ومرزوقيّته من الله تعالى؛ إذ ورد عن أمير المؤمنين× حين سئل عن الرّحمن، قال: «الرّحمن هو الذي يرحم ببسطه الرزق علينا، والرّحيم هو العاطف علينا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا، وخفّف علينا الدين فجعله سهلاًَ خفيفاً، وهو يرحمنا بتمييزنا من أعدائه»([37]).
[أرزاق الموجودات]
فاعلم أنّ جميع الموجودات مرزوقة من الله تعالى، كلٌّ على حسب ما يقتضيه العناية الإلهيّة:
فرزق العقول الكلّية: هو مشاهدة جمال الله تعالى وجلاله، والالتذاذ بالاستغراق في تجلّياته و إشراقاته.
ورزق النفوس: اكتساب الكمالات، واقتناء العلوم والصّناعات.
ورزق الأملاك: التسبيح والتهليل والتقديس؛ إذ رزق كلّ شيء ما به يتقوّم ذلك الشّيء.
ورزق الأفلاك: هو حركاتها الدوريّة، وتشبّهاتها بالملأ الأعلى الوضعيّة.
ورزق البدن: ما به نشؤه وكماله، على نسبته اللّائقة به.
ورزق الحواسّ: إدراك المحسوسات، فرزق الباصرة: المبصرات، والسامعة: المسموعات، والذائقة: المذوقات، والشامّة: المشمومات، واللّامسة:الملموسات.
ورزق البنطاسيا: درك جميع المحسوسات الظاهرة والباطنة، غير ما يدرك بالوهم.
ورزق الخيال: ما يأتيه من الحسّ المشترك ويحفظه.
ورزق المتخيّلة: درك الصّور الجزئيّة المجرّدة عن المادّة.
ورزق الواهمة: إدراك المعاني الجزئية.
ورزق العاقلة: إدراك المعاني الكلّية.
حتّى أن رزق الماهيّات: الوجودات الخاصّة.
وأمّا إنّ السائل مرحوم برحمته الرحيميّة، فأيمانه و أسئلته دالّة عليها دلالة واضحة.

 

الهوامش

([33]) الكافي 1: 110/ 4، وفيه: «خلق الله المشيئة بنفسها، ثم خلق الأشياء بالمشيئة».
([34]) الاحتجاج 1: 302. بحار الأنوار 4: 254 ـ 255/ 8.
([35]) الكافي 2: 275/ 25. الجواهر السنية: 335، وفيهما: «إن رحمتي سبقت غضبي».
([36]) الاختصاص (للمفيد): 39. بحار الأنوار 6: 219.
([37]) التوحيد (للصدوق): 232، وفيه: بحذف «هو العاطف».

 



البشارة لطلّاب الاستخارة (3)

3 می 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

البشارة لطلّاب الاستخارة (3)

ضرب ابن طاووس ‏رحمه الله – في كتابه (فتح الأبواب بين ذوي الألباب وبين ربّ ‏الأرباب) – أمثالاً يعرف بها فضل مشاورته تعالى:

منها: أنّه لو بنى لك البنّاء داراً وفرغ منها فرأيت فيها خللاً، أما كنت تسأله عن ذلك، وأنت تعلم أنّه بنى لك دار الدنيا العظيمة العالم بأسرارها السقيمة والمستقيمة، فكما تستعلم من البنّاء مصالح دارك اليسيرة فاستعلم منه دارك الكثيرة.

ومنها: أما تعلم أنّك لو اشتريت عبداً له عند مولاه الأوّل عشر سنين مثلاً، ثمّ مرض ‏العبد عندك تلك الليلة، ما كنت تستعلم من سيّده الأوّل عن سبب مرضه وتقول: هو أعلم منّي به لإقامة العبد عنده أكثر منّي؛ واللَّه قد خلقك قبل النطفة تراباً [ثمّ ] أودعك أصلاباً حتى نشأت، فمالك لا تستعلمهُ؟! وهلّا جعلته كسيّد العبد المذكور، وتستعلم منه مصالح الأمور؟!

ومنها: لو أردت سفراً في أحد الفصول الأربعة، فهل يعلم في تلك الحال ما غلب ‏على باطن مزاجك – من حرارة أو برودة أو رطوبة أو يبوسة – غيره. فإذا قلت ‏لأحدٍ من العباد: أريد السفر في الشتاء فهل ترى في ذلك صلاحاً، فإنّه لا يعلم هل‏الحرارة قد ابتدأت عليك وغلبت، فتوافقك البرودة أو بالعكس، فعلام لا تستعلم ‏هذا من اللَّه سبحانه وهو أشفق من كلّ شفيق(20).

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الاستخارة من أشرف الأبواب إلى معرفة صواب ‏الأسباب، حتى إنّ المعصوم عدل عن نفسه لمّا استشير إلى الأمر بالاستخارة؛ ألا ترى إلى الرضا عليه السلام كيف أمر علي بن أسباط بالاستخارة لمّا سأله عن الخروج براً أو بحراً(21)؟! وكذلك الجواد عليه السلام لمّا سأله علي بن أسباط- هذا- في أمر ضيعتين له ‏تعرّض له فيهما السلطان، أيبيعهما أو يتركهما؟ فكتب إليه‏ عليه السلام يأمر بمشاورة الباري عزّ وجلّ(22).

وانظر إلى جواب الرضا والجواد عليهما السلام كيف عدلا عن مشورتهما- مع ما هما عليه‏ من التأييد والمزيد- إلى الاستخارة، وهما أبواب مالك الحساب، ومن ذا يقدم‏ على مخالفة قولهما، وهو حجّة على كلّ من عرفه؟!

وعن الصادق ‏عليه السلام: «ما اُبالي إذا استخرت [اللَّه] على أيّ طرفي(23) وقعت، وكان أبي ‏يعلّمني الاستخارة كما يعلّمني السورة من القرآن« (24).

وعنه ‏عليه السلام: «صلّ ركعتين واستخر اللَّه، فو اللَّه ما استخار اللَّه مسلم إلا خار اللَّه له‏ ألبتّة«(25)، فكيف تعدل نفسك عن ضمان الصادق ‏عليه السلام بالقسم الذي أشار إليه(26)؟!انتهى كلامه.

من (المكارم) عن جابر بن عبداللَّه: كان رسول اللَّه‏ صلى الله عليه وآله يعلّمنا الاستخارة كما يعلّمنا السورة من القرآن يقول: «إذا همّ أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثمّ ليقل: اللهم إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من‏فضلك العظيم، فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاّم الغيوب، اللهمّ إن‏كنت تعلم [أنّ] هذا الأمر- تسمّيه- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فأقدره ‏لي ويسّره وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أنّه شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عنّي واصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث ما كان ثمّ(27) رضّني‏به« (28).

وروى أنّ رجلاً جاء إلى أبي عبداللَّه‏ عليه السلام فقال له: جُعلت فداك إنّي ربّما ركبت‏ الحاجة فأندم عليها، فقال له: «أين أنت عن الاستخارة؟» فقال الرجل: جُعلت‏ فداك فكيف الاستخارة؟ فقال: «إذا صلّيت صلاة الفجر فقل بعد أن ترفع يديك ‏حذاء وجهك: اللهمّ إنّك تعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب، فصلّ على محمّد وآل محمّد، وخر لي في جميع ما عزمت به من اُموري خيار بركة وعافية« (29).

فإذا فكّر العاقل اللبيب والموفّق المصيب في قول الأئمة الأعلام والهداة الكرام، وجد دلالتهم على الاستخارة واضحة وهدايتهم للعمل بها لائحة، فهي الطريق إلى ‏الصواب والرافعة لغواشي الحجاب، والموصلة لمسبّب الأسباب. وفّقنا اللَّه وإيّاكم ‏للهداية، وعصمنا وإيّاكم من الشكّ والغواية.

الإشارة الثالثة: الرضا بما يأتي به الأمر الربّاني ويخرجه الحكم الرحماني ‏ويختاره الحقّ السبحاني من حلو الخيرة ومرّها ومحبوبها ومكروهها ليعدّ من أهل السعادات، ويفوز بالمطالب الهنيّات والمواهب السنيّات، وتدركه العناية الأبدية والرحمة السرمدية.

وإيّاك أن يخطر ببالك خطرات الشيطان، فتكون من الهالكين، ولو ظهرت لك – -بحسب عقلك الكاسد وظنّك الفاسد – أسباب المصالح، فإنّها ولعمري مع ‏المخالفة من آثم القبائح، وسأضرب لك مثلاً لعلّك به تتّعظ: لو أنّ ملكاً دعاك‏ لمؤازرته ومؤانسته، ورغبت نفسك في إجابته وتحقيق طلبته، وظهر لك بالوهم‏ النفساني الفوز بالأماني، ووافقتك في ظنونك العامة، وكان للملك وزير من‏خاصّته ونديم من أهل مودّته وأنت ترى أنّه لك ناصحّ شفيق وبك برّ رفيق، فأخبرك في باطن الأمر بالسرّ المصون أنّ الملك يريد بك سوءاً وإنّما طلبه لك مكر وحيلة. ألست كنت تسمع كلامه وتعتقد صحّة نظامه، وتترك ما كنت تحبّه وتهواه، وسوّلت لك نفسك طلبه وهواه، وتطلب الحيلة في إبعاد نفسك وتغييب شخصك‏ من محبوبك الذي كنت متعلّقاً بمحبّته، خوفاً من الوقوع في البلاء بعد نصح الناصح ‏والخير الواضح؟

فإذا كنت تركن إلى نصح المخلوق مثلك، فكيف تستغش الخالق وتكره اختياره ‏ونصحه؟! فإذا ظهرت الاستخارة بما تكره نفسك ويحبّه هواك وطبعك أظهرت ‏الغضب والأسف والندم والكآبة، فهل تجد أحداً أعلم بأحوالك وصلاحك من‏ربِّك؟! بل هل تجد أحداً أرفق بك وأشفق بك من ربِّك؟! بل هو أبرُّ بنا من الآباء والأمهات، وذلك أمر بديهي عند أهل السعادة، ولم تعلق يدك بأذيال تلك الوفادة، وغلب عليك الطبع الشيطاني والهوى النفساني، فألزم الصبر وتكلّفه وإن لم يرض ‏قلبك الوبيّ وطبعك الدنيّ، فإن لم تفعل ولزمت طريق الخلاف، فأنت من أهل‏الخلاف فاستعد للندامة جلباباً وللكآبة أثواباً، عصمنا اللَّه وإيّاكم من الهوى، ووفقنا وإيّاكم لما يحبّ ويرضى.

فقد روى الشيخ في (التهذيب) بإسناده إلى محمّد بن علي بن محبوب، عن محمّد ابن الحسين، عن محمّد بن عبد اللَّه بن زرارة، عن عيسى بن عبداللَّه، عن أبيه، عن‏جدّه، عن علي‏عليه السلام قال: «قال اللَّه عزّ وجلّ: إن عبدي يستخيرني فأخير له ‏فيغضب« (30).

وروى البرقي في (محاسنه) عن أبي عبد اللَّه ‏عليه السلام قال: «قال اللَّه عزّ وجلّ: من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال فلا يستخيرني«(31)، فقد ثبت الشقاء لمن عمل الأعمال بغير استخارة، فكيف حال من يستخير ويهتم ويخالف ما أمر وينخرم؟!

وروى البرقي في (محاسنه) أيضاً عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن عبداللَّه بن مسكان، عن محمّد بن مضارب قال: قال أبو عبد اللَّه‏ عليه السلام: «من دخل في أمر بغير استخارة ثمّ ابتلي لم يؤجر« (32).

فالداخل في أموره بغير مشاورة محبوبه مغرّر بنفسه للشقاء والتعب والعناء وعدم‏ الأجر عند البلاء، والداخل في أموره بالاستخارة بعد الرضا متعرّض للنفحات ‏اللاهوتية منسلخ من الأهواء الناسوتية، داخل في صفاء الحبّ، واصل حجاب ‏القرب، بعيد من الشكّ والارتياب، خالص من غواشي التهمة والحجاب.

وروى البرقي أيضاً في (محاسنه) عن اليقطينيّ وعثمان بن عيسى، عمّن ذكره، عن ‏بعض أصحابنا قال: قلت لأبي عبد اللَّه ‏عليه السلام: من أكرم الخلق على اللَّه؟ قال:«أكثرهم ذكراً للَّه وأعملهم بطاعته». قلت: فمن أبغض الخلق إلى اللَّه؟ قال: «من ‏يتّهم اللَّه» قلت: وأحد يتّهم اللَّه؟! قال: «نعم، مَن استخار اللَّه فجاءته الخيرة بما يكره فسخط، فذلك الّذي يتّهم اللَّه« (33).

يتبع…

_______________________________________

(20) فتح الأبواب: 226 – 224، بتفاوت.

(21) الكافي 5/471 :3، وسائل الشيعة 64 :8، أبواب صلاة الاستخارة: ب1، ح5.

(22) فتح الأبواب : 143، وسائل الشيعة 77 :8، أبواب صلاة الاستخارة: ب5،ح8.

(23) في المصدر: «جنبي» بدل: «طرفي».

(24) فتح الأبواب : 148وسائل الشيعة 81 :8 ،أبواب صلاة الاستخارة، ب1، ح9 .

(25) الكافي 1/470 :3، وسائل الشيعة 63 :8، أبواب صلاة الاستخارة، ب1، ح1.

(26) فتح الأبواب: 160.

27) من المصدر، وفي المخطوط «و».

28) مكارم الأخلاق: 323 .

29) مكارم الأخلاق: 320 .

30) تهذيب الأحكام 958/309 :3، وسائل الشيعة 80:8، أبواب صلاة الاستخارة،ب7،ح6.

31) المحاسن 3/598 :2، وسائل الشيعة 79 :8، أبواب صلاة الاستخارة ب2 _7.

32) المحاسن 4/598 :2، وسائل الشيعة 79 :8، أبواب صلاة الاستخارة، ب7، ح1.

33) المحاسن 5/598 :2، وسائل الشيعة 79 :8، أبواب صلاة الاستخارة،ب7، ح3.



سطور من النور بمناسبة ولادة أمير المؤمنين علي عليه السلام

2 می 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

سطور من النور بمناسبة ولادة أمير المؤمنين علي عليه السلام

نبارك لكم وللأمة الإسلامية جمعاء ولادة أمير المؤمنين علي عليه السلام

وبهذه المناسبة نذكر سطور من كلماته النورانية:

قال أمير المؤمنين علي علیه السلام:

ـ إغْتَنِمُوا الدُّعاءَ عِنْدَ خَمْسَةِ مَواطِنَ: عِنْدَ قِرائَةِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الأذانِ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْغَیْثِ، وَعِنْدَ الْتِقاءِ الصَفَّیْنِ لِلشَّهادَةِ، وَعِنْدَ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، فَإنَّهُ لَیْسَ لَها حِجابٌ دوُنَ الْعَرْشِ.

أمالي الصدوق : ص 97، بحار الأنوار: ج 90، ص 343، ح 1.

ـ اَلْعِلْمُ وِراثَةٌ کَریمَةٌ، وَ الأدَبُ حُلَلٌ حِسانٌ، وَالْفِکْرَةُ مِرآةٌ صافِیَةٌ، وَالاعْتِذارُ مُنْذِرٌ ناصِحٌ، وَکَفى بِکَ أَدَباً تَرْکُکَ ما کَرِهْتَهُ مِنْ غَیْرِکَ.

أمالي الطوسى : ج 1، ص 114 ح 29، بحار الأنوار: ج 1، ص 169، ح 20.

 ـ تَفَضَّلْ عَلى مَنْ شِئْتَ فَأنْتَ أمیرُهُ، وَإسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ فَأنْتَ نَظیرُهُ، وَافْتَقِرْ إلى مَنْ شِئْتَ فَأنْتَ أسیرُهُ.

بحار الأنوار: ج 70، ص 13.

ـ قَدْرُ الرَّجُلِ عَلى قَدْرِ هِمَّتِهِ، وَشُجاعَتُهُ عَلى قَدْرِ نَفَقَتِهِ، وَصِداقَتُهُ عَلى قَدْرِ مُرُوَّتِهِ، وَعِفَّتُهُ عَلى قَدْرِ غِیْرَتِهِ.

نزهة الناظر و تنبیه الخاطر حلواني: ص 46، ح 12.

 ـ لا خَیْرَ فِي الدُّنْیا إلّا لِرَجُلَیْنِ: رَجَلٌ یَزْدادُ في کُلِّ یَوْم إحْساناً، وَرَجُلٌ یَتَدارَکُ ذَنْبَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَأنّى لَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَالله لَوْ سَجَدَ حَتّى یَنْقَطِعَ عُنُقُهُ ما قَبِلَ اللهُ مِنْهُ إلّا بِوِلایَتِنا أهْلِ الْبَیْتِ.

وسائل الشیعة: ج 16 ص 76 ح 5.

ـ غایَةُ الْعَدْلِ أنْ یَعْدِلَ الْمَرْءُ في نَفْسِهِ.

غررالحکم و دررالکلم، ح 6368.

ـ ألا فَمَن ثَبَتَ مِنهُم عَلَی دینِهِ وَلَم یَقسُ قَلبُهُ لِطولِ أمَدِ غَیبَةِ إمامِهِ فَهو مَعي في دَرَجَتي یَومَ القیامَة.

(بحارالأنوار،  ج51، ص109)

ـ صِلَةُ الرَّحِمِ تُدِرُّ النِّعَمَ وَتَدفَعُ النِّقَمَ.

غررالحكم، ج4، ص204، ح5836

ـ اُزْجُرِ الْمُسِىءَ بِثَوَابِ الْمحْسِنِ.

 نهج البلاغة، ح 168، ص 117.

ـ اِفْعَلُوا الْخَيْرَ وَلا تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً فإِنَّ صَغِيرَهُ كَبيرٌ وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ.

 نهج البلاغة، ح 414، ص 1284.



Real Time Web Analytics