مقالات دينية

شرح دعاء كميل (21)

30 آگوست 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء كميل (21)

﴿اللّهُمّ اغفِرليَ الذّنوبَ الّتي تُنزلُ النِّقَم﴾

النِّقم: جمع «نقمة»، كـ«نعم»: جمع «نعمة». أصلها «نَقِمة» ـ بكسر القاف ـ وزان «كلمة»، بمعنى الأخذ بالعقوبة، والجمع: «نَقِمات» و«نِقَم» كـ«كَلِمات» و«كِلَم» جمع «كلمة».

ولكن قال الجوهري: «وإن شئت سكّنت القاف، ونقلت حركتها إلى النون، فقلت: نِقْمة، والجمع نِقَم، كنِعْمة ونِعَم»([1]) انتهى.

[ما يترتّب على الذّنوب]

والذنوب التي تصير سبباً لنزول النّقم هي ـ على ما جاءت به الرواية ـ: نقض العهد، وظهور الفاحشة، وشيوع الكذب، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى، ومنع الزكاة، وتطفيف الكيل. قال رسول الله ‘: «خمس بخمس». قالوا: يا رسول الله، ما خمس بخمس؟ قال‘: «ما نقض قوم العهد إلّا وسلّط الله عليهم عدوّهم، وما ظهرت عنهم الفاحشة إلّا وقد فشا فيهم الموت، وما شاع فيهم الكذب والحكم بغير ما أنزل الله إلّا وقد فشا فيهم الفقر، وما منعوا الزكاة إلّا حبس عنهم القطر، وما طفّفوا الكيل إلّا منعوا النبات واُخذوا بالسّنين»([2]).

كما قال المولوي:

 ابر بر نايد پی منع زکوة وز زنا افتد وبا اندر جهات([3])

قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ([4])

﴿اللهُمَّ اغفِرليَ الذُّنوبَ الّتي تُغَيِّرُ النِّعَم﴾

النِعَم: جمع «نعمة» ـ بكسر النّون ـ وهي ما يلتذّ ويتنعّم به الإنسان من المال والنساء، والقوى، والآلات، والأدوات، والصّحة، والفراغة، والمأكولات، والمشروبات، والأنعام من الأغنام والآبال والخيول والبغال والحمير والبقرات، وغيرها ممّا أنعم الله به عباده، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا([5]).

 قال تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾([6]).

في المجمع قال: «قال بعض الأعلام([7]): يكتب في اللوح أشياء مشروطة وأشياء مطلقة، فما كان على الإطلاق فهو حتم لا يغيّرو لا يبدّل، وما كان مشروطاً ـ نحو أن يكون مثبتاً في اللوح أنّ فلاناً إن وصل رَحِمه مثلاً يعيش ثلاثين سنة، وإن قطع رَحِمه فثلاث سنين ـ وانّما يكون ذلك بحسب حصول الشّرط، وقد قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ([8])»([9]) انتهى.

و«الذنوب التي تغيّر النعم» ـ كما جاءت بها الرواية ـ: ترك شكر المُنعم، والافتراء على الله والرسول، وقطع صلة الرحم، وتأخير الصّلاة عن أوقاتها حتّى انقضت أوقاتها، والدياثة، وترك إغاثة الملهوفين المستغيثين، وترك إعانة المظلومين.

وبالجملة: قد قرّر الشارع لكلّ نعمة أنعم الله بها عباده شكراً وطاعةً، كما قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ([10]).

ومعلوم أن تركه يصير سبباً لأخذ المنعِم تلك النعمة عن المنعَم عليه.

وعن الصادق× ، قال: «نحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده، وبنا فاز من فاز»([11]).

أقول: لما كانوا^ وسائط فيض الله تعالى وجُوده، ومجالي نوره وظهوره، ومكامن سرّه، كما قال×: «بنا اهتديتم في الظّلماء، وتسنّمتم العليا، وأفجرتم عن السرار»([12])، أي صرتم ذوى فجر.

وقوله×: «تسنّمتم العليا» أي ركبتم سنامها.

فما من نعمة فاضت على الخلق إلّا بواسطتهم وبأيديهم، فهم النعم العظمى، والدّولة القصوى من الله تبارك وتعالى في الآخرة والاُولى، كما قيل:

 

من فضل ريّهم ولاته ارتوت

وقرب فرض الكلّ مثل النّفل
بأرضهم تستنسر البغاثُ
مجد نباهة([13]) وفضل كرم

أنوارهم في نورهم قد انطوت

كالفرع ثمّ قربهم كالأصل
والمستغيثين بهم أغاثوا
في غرف مبنيّة عليهم

 

ثم إنّ النعم تشتمل النعم الباطنة من العلم والحكمة والعرفان، والإيمان بالله وباليوم الآخر، والأنبياء والرسل والأوصياء الاثني عشر، عليهم صلوات الله الملك الأكبر إلى يوم المحشر.

[بيان الذّنوب المغيّرة للنّعم]

فالذّنوب التي تغيّر تلك النعم وتذهب بنورها هي الخطيئات التي يعدّها أهل السّلوك إلى الله تعالى أيضا ذنباً، كالتوجّه إلى غيره تعالى، وترك الأولى، وكثرة الأكل والشرب والنوم، وقلّة الإكتراث بالصلاة والصوم، وكلّ ما كان من هذا القبيل من الهواجس النفسانيّة، فضلاً عن الوساوس الشيطانيّة. فليجتنب العبد المؤمن عن جميع هذه الذّنوب، بعناية الله الحبيب المحبوب.

_________________________

([1]) الصحاح 5: 2045، مادة «نقم».

([2]) تفسير فخر الدين الرازي 31: 88 ـ 89. بحار الأنوار 70: 370، وفيه: «وفي الحديث: خمس بخمس …».

([3]) مثنوي معنوي: 6.

([4]) البقرة: 59.

([5]) إبراهيم: 34.

([6]) الأنفال: 53.

([7]) منهاج البراعة (للقطب الدين الراوندي) 3: 376.

([8]) الرعد: 39.

([9]) مجمع البحرين 3: 431، مادة «غير».

([10]) إبراهيم: 7.

([11]) تفسير القمي 1: 86. بحار الأنوار 24: 51/ 3.

([12]) نهج البلاغة: 38، الخطبة 4.

([13]) ونَبُهَ الرجلُ ـ بالضم ـ: شَرُفَ واشتهر، يَنبُه  نَباهَةً، فهو نَبيهٌ ونابهٌ. الصحاح 6: 2252، مادة «نبه».



عصمة الأنبياء[عليهم السلام] ـ 2

29 آگوست 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

عصمة الأنبياء[عليهم السلام] ـ 2

المبحث الثاني: أن صاحب الموقف ينبغي عليه الثبات على موقفه

ثم قالت الآية الكريمة: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، أي كادوا ليزيلونك عن موقفك. فالآية الكريمة تقول له: إن الإنسان موقف، وأنت تعلّم الناس المبادئ، وأهمّ هذه المبادئ أن الإنسان إذا آمن بقضيّة فلا ينبغي له أن يتزلزل عن موقفه إزاءها. وهؤلاء يحاولون أن يزلزلوك عن موقفك؛ فعليك أن تبقى صامداً عليه.

ومن تطبيقات هذا المعني أن الإمام أمير المؤمنين × حينما وصلت إليه خلافة جاءه جماعة من الرؤوس البارزة، حتى من شيعته، فطلبوا منه ألّا يغيّر العمال والولاة من قبل عثمان، ولا يحرّكهم الآن، وأن يتركهم حتى يستقرّ الوضع وتأخذ الأمور نصابها؛ فإنهم إن عرفوا بذلك فلن يكونوا مستعدّين للتنازل عن الأمكنة التي وصلوا إليها، فهم وصلوا إلى أمكنة ما كانوا يحلمون بها. وأن هؤلاء ليسوا مثل أمير المؤمنين عليه السلام في نظرتهم للدنيا، فقد وصلوا إلى الكرسي وصارت عندهم أموال وإمارات، فإن شعر أحدهم أنه سوف يزال فسيخلق ألف مشكلة.

وقد يكون هذا الرأس من الوجهة السياسية ممكناً، وله حصة من الصواب، لكن الإمام علياً × يتصرف وفق أحكام، وهو × إسلام يمشي على الأرض. فقال ×  لهم: (أمّا طلحة والزبير فسأرى رأيي فيهما، وأمّا معاوية فلا والله لا أراني مستعملاً له ولا مستعيناً به مادام على حاله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾، ولكن أدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون، فإن أبي حاكمته إلى الله).

فهو × يقول لهم: ما المبرر لأن أترك أحداً يعصي الله ويشرّع في مقابله؟ فأنا أحكم باسم القرآن، ولابدّ أن أطبق القرآن، وهو يقول: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، ويعطيني حدوداً في أن أعطي الأمر إلى من يستحقّه، وهؤلاء ليسوا مستحقّين من وجهة نظر الشرع، فكيف تطلبون مني أن أدعهم؟

دخل أبو الدرداء، يوماً على معاوية فقال له: ما المبرر لك أن تشرب بآنية الذهب وقد حرّم الإسلام ذلك؟ فقال: أنا لا أرى به بأساً. فما المبرّر لعلي أن يترك هذا في عمله؟ يقول أمير المؤمنين: (قد يرى الحوّل القلب وجه الحيلة، ودونها مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين.

والغريب هنا أن بعض الكتاب لم يفهموا علي بن أبي طالب ×، ولا المسألة التي يعالجونها، فراحوا يقولون عنه: إن حياة هذا الرجل حدثت فيها أخطاء كان اللازم عليه ألّا يعملها. ومن ذلك أنه ما كان ينبغي له أن يسارع إلى عزل ولاة عثمان حتى يستقرّ له الأمر.

وهذه ليست من الأخطاء، إنما هي من الالتزامات والمواقف التي يريدها الشرع؛ لأن الشرع يريد ممّن يحكم باسمه أن يطبّق أوامره ونواهيه. وقد كان بوسع أمير المؤمنين × أن يتركهم في أعمالهم، لكن ضميره لا يتركه، التزامه بأحكام الله وأوامر القرآن لا يعطيه مجالاً لأن يتصرّف هذا التصرّف. ولذا لم يقبل آراء المقترحين، وقال لهم: ليحدث ما يحدث، فأنا لست صاحب مصلحة، ولا أريد ن أحافظ على كرسي أجلس عليه، وإنما أريد أن أطبق أحكام الله في الأرض.

وكانت هذه من القضايا التي سببّت حرجاً لأمير الأمير المؤمنين ×، ولها نظائر من القضايا كثيرة، فمن هذه القضايا أن الحاكم اليوم مثلاً لو كانت عنده جريدة تخدمه، فتنشر له يومياً وتبرّر وجوده وتفخّمه وتعظّمه وتدعمه فكرياّ، فإنه يلتزمها وإن كانت باطلاً. والشعراء في عصر أمير المؤمنين × كانوا صحفاً سيّارة، فالشاعر يذود ويدافع ويبرّر ويحسّن ويقبّح، وللشاعر منزلة كبيرة، لكن إذا ارتكب الشاعر العصيان وشرب الخمرة، فما المبرّر لعلي عليه السلام ألّا يقيم عليه الحد؟ وهذا ما حدث له عليه السلام مع جرير الشاعر المعروف، فقد كان يثرب الخمرة، وفي الوقت نفسه يريد عطاءً من أمير المؤمنين × من الحق الشرعي. والحق الشرعي لا يمكن أن يعطيه الإمام × لمن يصرفه بالحرام، وهذا ما يذهب إليه المسلمون كلهم؛ ففي ذلك إعانة على الإثم، فلم يكن الإمام مستعداً لأن يعطيه، فالتحق بمعاوية. في حين أن غير علي بن أبي طالب يبحث عن ألف طريق لتبرير مثل هذه العمل.

لقد كان ابن هرمة شاعراً أديباً، وقلماً من الأقلام ذات المنفعة، وكان صديقاً للمنصور، فلما وفد على المنصور سأله المنصور: ألك حاجة؟ قال: بلي، حاجتي أن توعز إلى الوالي ألّا يلاحقني في الخمرة بأن يقيم عليّ الحدّ فيها؛ فإني لا أصبر عليها. فقال المنصور: لا أستطيع أن أفعل ذلك أمام الناس وأعطل حداً من حدود الله، ولكن اذهب وسوف ترى.

ثم بعث المنصور إلى الوالي فقال له: إذا جاءك من يشهد أن ابن هرمة شرب الخمر، فاجلد ابن هرمة الحدّ ثمانين سوطاً، واجلد من شهد عليه مئة سوط. فراح ابن هرمة يسكر في الشارع ويصيح: من يشتري ثمانين بمئة؟ فلم يتجرّاً عليه أحد.

وهذا لون من التحايل على حدود الله. ولكن الضمير الذي حمل الله في داخله لا يمكن أن يتساهل في موقف فيه إساءة للدين ولو بقيد شعرة.

فالآية تقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنت موقفٌ، فلا يزلك هؤلاء عن موقفك، وأنت تحمل للناس التعليم، وهذا التعليم يدرّبهم على المبادئ الكريمة، فلا تتغيّر إزاء ذلك.

المبحث الثالث: في الافتراء على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم

ثم قالت الآية: ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾، وهذه أشدّ من سابقتها، فهم يقولون له: كما جعلت مكّة بلداً حراماً آمناً، فاجعل وادينا مثلها. فالله حرم فيها سفك الدم واللجاج والعناد أثناء الحجّ، فقل في وادينا: إن الله قال فيه: إنه محرم، ليعرف العرب فضلنا، أي انسب إلى الوحي ما ليس منه. فأجابهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن هذا لا يمكن أن يكون أبداً. وهذه أيضاً من النقاط الخطرة، فالكل يلاحظ في تاريخ القمم التي حكمت في أمّتنا أن الحاكم يبحث عن جماعة يبرّرون وجوده ويثلبون أعداءه، فمثلاً يدخل أحدهم ممن يعتبرونه من الفقهاء على الحجّاج، والحجّاج معروف في أن وسيلته للحكم هي سفك الدم والرعب والإرهاب، فيبرّر له هذا (الفقيه) عمله بقوله: إن الله إذا استرعى عبداً رعيّة كتب له الحسنات وأسقط عنه السيئات! فهو أولاً يقول له: إن الله هو الذي ولاك على هؤلاء، وثانياً: إن الله سيكتب لك الحسنة ويمحو عنك السيئة. فلماذا هذا؟

قد يقول قائل: هل إن هذا التيّار موجود فعلاً عند المذهب الإسلاميّة؟

فأقول: نعم، هذا صحيح، إنه موجود مع الأسف، ويعزّ عليّ أن أصرّح بهذا المعني. فهناك من حكم، لمجرد أنه حكم صار مقدّساً. وأكبر دليل على ذلك أنهم يطلقون عليه لقب الخليفة، كالوليد ويزيد بن الوليد، ثم يفترضون طاعته، ويرون أن من يبيت ليلة وليس في عنقه بيعة لهم ثم يموت فإن ميتته ميتة جاهلية. مع أنه إنسان كلّه ثغرات وعيوب، فكيف يطلب منا أن نتعبد ونتقرب إلى الله بإطاعته؟

يروي البخاري في الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه لما حدثت واقعة المدينة جمع أولاده وأهله فقال لهم: إذا بايع الناس أحداً ثم غدروا به فقد غدروا بالله، وللغادر لواء يرفع يوم القيامة فتمسّكوا ببيعة يزيد.

وهذا الذي يرى أن من ينكث بيعة يزيد يكون غادراً يقال له: ما المبرّر لك في طاعة هذا الرجل؟ إنه كان يجلس على منبر المسلمين ويقول:

أقول لصحب ضمّت الكأس شملهم

وداعي صبا بات الهوى يترنم

خذوا بنصيب من نعيمٍ ولذّةٍ

فكلٌّ وإن طال المدى يتصَّرمُ

يتبع…



شرح دعاء الصباح 26

28 آگوست 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء الصباح 26

﴿وإنْ خَذَلَني نُصرُك عِندَ مُحارَبَةِ النّفس وَالشّيطانِ، فَقَد وَكَلَني خِذلانك إلى حَيْثُ النصبِ والحِرْمانِ﴾

«الخِذْلانُ»: خلاف التوفيق، وإضافة «المحاربة» إلى «النّفس» و«الشّيطان» من إضافة المصدر إلى المفعول، أي محاربتي إيّاهما. «فقد وكلني» إلى آخره: أي فقد طرحني إلى مكان التّعب والحرمان. و«النّفس» تطلق على ذات الشيء، وتطلق على كمال أوّلَ لجسمٍ طبيعيّ آليٍّ، فتنقسم إلى نفس سماويّة وأرضيّة، والأرضية إلى نفس نباتيّة وحيوانية وإنسانية، فتقابل الصّورة النوعيّة المعدنيّة والطّبيعية. وتطلق على جوهر مجرّد في ذاته دون فعله عن المادّة، فتقابل العقل المفارق في ذاته وفعله عن المادة، وتطلق في اصطلاح العارفين على واحدة من «اللطائف السّبع» من الإنسان، المتداولة عندهم، وهي الأبطن السبعة لهذه الآية الكبرى؛ من الطبع، والنّفس([1])، والقلب، والرّوح، والسرّ، والخفيّ، والأخفى.

وفسّروها بالرّوح البخاري الحيوانيّ المتداول في لسان الحكيم. والسّبب فيه أنّ رَحى الشهوة والغضب، والفرح والغم، والخوف والرجاء، ونحوها يدور على ذلك الروح البخاري، وزيادته ونقصانه، وتكدّره وإشراقه، فتقابل اللّطائف الاُخر، وتقابل العقل العملي، فيقال: هذا مقتضى النّفس، وذاك مقتضى العقل. وهذا يسير في منازل النّفس، وذاك يسير في منازل القلب.

وقد مرّ في «الفتح» ما يوافقه. وتطلق عندهم تأسيّاً بكتاب الله وسنّة نبيّه على «النّفس الأمّارة» و«اللّوامة»، فتقابل «النّفسَ» «المُلهمة» و«المُطمئنّة» والعقلَ بقسمَيْهِ: النظري والعملي. والنّفسُ الناطقة في اصطلاح الحكيم تطلق على جميع «اللّطائف([2]) السّبع» المذكورة.

إذا عرفت هذا، فالنّفس في قول الدّاعي: «عند محاربة النّفس والشيطان» يراد بها المعنى الأخير.

وفي حديث كميل، عن عليّ× أقسام النّفس ببعض المعاني المذكورة([3])، نذكره تيمّناً، قال: سألتُ مولانا أمير المؤمنين عليّاً (صلوات الله عليه) فَقُلتُ: اُريدُ أن تُعَرّفَني نَفْسي. قال×: «يا كُمَيلُ، وَأيّ الأنفُس تُريدُ أن اُعَرِّفَكَ؟». قلتُ: يا مولاي، هل هي إلّا نفس واحدة؟ قال×: «يا كُمَيلُ، إنَّما هِيَ أربَعَةٌ: النّامِيةُ النَّباتيّةُ، وَالحِسّيَةُ الحَيوانيّةُ، وَالنّاطِقَةُ القُدْسِيَّةُ، والكُلِيّةُ الإلهيّةُ. وَلِكُلٍّ مِن هذِهِ خَمسُ قُوى، وَخاصِيَّتانِ:

فالنّامِيَةُ النَّباتَّيةُ([4]) لَها خمس قُوى: جاذَبةٌ، وَماسِكَةٌ، وَهاضِمَةٌ، وَدافِعَةٌ، ومُربِّيةٌ. وَلَها خاصِيتَّانِ: الزّيادَةُ والنُّقصانُ، وانْبِعاثُها مِنَ الكَبدِ.

والحسِّيَّةُ الحَيوانيّةُ لها خَمسُ قُوى: سَمعٌ، وَبَصَرٌ، وَشَمٌّ، وَذَوقٌ، وَلَمسٌ. وَلها خاصِيَّتانِ: الشَّهْوِةُ والغَضَبُ، وانبعاثها مِنَ القَلْبِ.

والنّاطِقَةُ القُدسيّة لَها خَمسُ قُوى: فِكرٌ، وَذِكْرٌ، وعِلْمٌ، وحِلْمٌ، وَنَباهَةٌ، ولَيسَ لَها انبعاثٌ وَهِيَ أشبَهُ الأشياء بالنُّفُوسِ المَلَكيّةِ. وَلَها خاصيّتان: النَّزاهَةُ والحِكمَة.

والكُليِّةُ الإلهيَّةُ لَها خُمسُ قُوى: بقاء في فناء، ونَعيمٌ في شِقاء، وَعِزٌّ في ذُل، وَغِنيً في فقر، وَصَبرٌ في بَلاء. وَلَها خاصِيتّان: الرّضا والتَّسليمُ([5]). وَهذِهِ الَّتي مَبدَؤها مِنَ الله، وَإليَهِ تَعُودُ. قالَ الله تَعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾([6])، وقالَ تعالى: ﴿يَا أيَّتُهَا النَّفْسُ المُطمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى ربِّك رَاضيَةً مَرْضِيَّةً﴾([7]). والعقلُ وَسَطُ الكُلّ»([8]).

قوله×: «مربيّة»، هي القوّة المنمية. وقوله×: «وانبعاثها من القلب»، أي أوّلاً وبالّذات. وهذا لا يدفع قول الحكيم وتسميته إيّاها قوى دِماغيّة؛ لأنّ الرّوح البخاري ينبعث من التجويف الأيسر من القلب أوّلاً، ثمّ يصعد في مَسلك بعض الشَّرايين إلى الدِّماغ، فيبرد بالتردّد في تجاويفه، فيعتدلُ ويصيرُ مطايا القوى الدّماغيّة.

ولعلّ «الفكر»، و«الذّكر»، و«العلم» متعلّقة بالعقل النظري المسمّى بالقوّة العلامة للنّاطقة، فتكون إشارة([9]) إلى العقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد. و«الحلم» و«النّباهة» متعلّقان بالعقل العملي المسمّى بالقوة العمّالة للناطقة، فتكون إحداهما «الحال»، و[الاُخرى]([10]) «الملكة» في العمل الصالح. ومناسبة «الحلم» إنّما هي مع «الملكة» باعتبار الثبات والاستقامة والطاقة للعامل. وأمّا «الحدس» فيليق بالنّفس الرّابعة؛ لأنّ الاحكام تابعة للعنصر الغالب، والحدس فيها غالبة لا في الثالثة. ويمكن أن يكون «النباهة» إشارةً إلى الحدس المغلوب للفكر في الثالثة.

و«النّزاهة» هي الحرّية الّتي يقال في النّفس الشّريفة: هي الّتي فيها «الحكمة» و«الحريّة». وقوله× في «الكليّة الإلهيّة»: «بقاء في فناء» ـ إلى آخره، يمكن أن يكون «في» للتّعليل، ولا يخفى وجهه، وأن يكون للظرفيّة، من قبيل كون الباطن في الظّاهر، والرّوح في الجسد. ومن أمثال العرفاء: «إذا جاوز الشّـيء حدّه انعكس ضدّه».

يتبع…

________________________________

([1]) وقد يحذف الطّبع ويضاف العقل بعد القلب. ويقال: إنّ العقل لسان الرّوح، وترجمانه الدالّ عليه. وقد مرّ في الحاشية السابقة على «الفتح» وأقسامه تعاريف النفس والقلب والرّوح. وقد يجعل النفس أمّاً والرّوح أباً، والقلب ولداً. فمن القلب ما هو ميالٌ الى الأمّ وهو القلب المنكوس، ومنه ما هو متخلّق بأخلاق الأب مترقٍّ إليه، ومنه ما هو متردّد بينهما إلى ما شاء الله.

وفي بعض وجوه تأويل آية النّور: جعل النفس مشكاةً، والقلب زجاجةً وكوكباً درّيّاً، والروح مصباحاً. وبلسان الحكيم: القلبُ هو العقلُ التفصيليّ، والرّوحُ هو العقل البسيط الإجماليّ.

وأمّا اللّطائف الثلاث الأُخر، «فالسّر» هو الاتّصال بالعقل الفعّال، و«الخفيّ» هو الاتّصال بعقل الكلّ بمعنى جملة العقول الكليّة، و«الأخفى» ـ وهو مقام الحقيقة المحمديّة ـ هو الاتّصال بالفيض المقدّس، والوجود المنبسط، ومرتبة المشيئة في الطمّس الصّرف، والمحق المحض بالفناء البحت. منه.

([2]) باعتبار التعلّق الباطني، أو الظاهري. منه.

([3]) أي النّفس بمعنى كمال أوّل لجسم طبيعيّ آليّ. منه.

([4]) عدم التعرّض للغاذية بظاهره يكون شاهداً لمن لا يجعلها مغايرةً للهاضمة كما هو قول بعض الأطبّاء. والمحققّون ذهبوا إلى المغايرة كما تقرّر. لكنّي أقول: أدرجها× في «المربّية» فتشمل الغاذية والمنمّية، ومعلوم أن التنمية فرع التّغذية، أو في النفس النباتيّة التي هذه الخمس قواها، كما أدرج× فيها «المولَّدة». وأمّا المصوّرة التي جعلت من رؤساء القوى النباتية، فالحقّ عند المحقّقين إنتفاؤها لبطلان إسناد الأفعال العجبية المتقنة إلى قوّة عديمة الشّعور كما أبطلها «الغزالي» و«المحقق الطوسي»+­­­ العزيز. منه.

([5]) هذا الرّضا بقرينة إردافه بالتسليم، غير الرّضا المذكور في خاصّيتي الحسيّة الحيوانيّة؛ لأنّ هذا هو الرضا الذي قالوا فيه: «الرّضا باب الله الأعظم». وهو مقام شامخ، وذلك هو الرّضا بالجزئيات الدائرة، ويساوق الشهوة الحيوانية. والقرينة إردافه بالغضب. منه.

([6]) الحجر: 29.

([7]) الفجر: 27 ـ 28.

([8]) مجمع البحرين 4: 349، الفوائد الرضوية: 121، 125.

([9]) أي الفكر إشارة إلى العقل بالملكة؛ إذ فيه البديهيات التي ينتقل منها إلى النظريات بالفكر. و«الذّكر» إشارة إلى العقل بالفعل؛ إذ فيه ملكة فعّالة للمعقولات بلا تجشّم كسب جديد. فهذه الملكة ذاكرة وذكر حكيم. و«العلم» إشارة إلى العقل المستفاد؛ لأنّه علم حقيقيّ، ومشاهدة للحقائق. منه.

([10]) في النسخة الحجرية: الآخر.



الأمن في الإسلام (7)

25 آگوست 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

الأمن في الإسلام (7)

كيف يتحقق الأمن الإجتماعي؟

أوّلاً: الاشتراك في محبة الحق

عندما يشترك هؤلاء في المحبوب يحصل الأمن الإجتماعي، وعندما تشترك الجماعات المؤمنة في محبة الحق وإرادة إعلاء كلمة الحق، ورفض الظلم، فسوف تتمکن من إذابة كثير من الحواجز، ویصبح هناك تقارب حقيقي.. وتقارب حاول المسلمون إيجاده من خلال المؤتمرات والكتابات والأساليب النظرية الأخرى. وقد اختلف هؤلاء في معناه، واليوم ومن خلال هذه الحركة العالمية المشتركة والتي تزداد كل يوم تفاعلاً وتقارباً أصبح من الواضح ما هو نوع التقارب الذي يمكن أن يتحقق.

ثانياً: الاهتمام بما يحدث من تأثر وتأثير بين الجماعات

إن التأثير والتأثر واضحان جداً في مجموع هذه الحركة الحاصلة بين الجماعات الإيمانية من عدة جهات، وهو ما يحقق التقارب والانسجام، وبالتالي يتحقق الأمن الاجتماعي الذي هو مقدار التحكم في تأثر الجماعات ببعضها البعض وبما يحيطها. وهو أمر لازم في عملية التمهيد لظهور الإمام الحجة، عجل الله فرجه الشريف.

والاشتراك في المعبود يؤدي إلى وحدة القلوب، وإلی التقارب الفكري والثقافي والاجتماعي، كما أن تعدد الآلهة، وكثرة التعلقات تؤدي إلى التفرق والطائفية، والتشاحن والتشتت والتنافر. وهنا نجد ولي الله يرشد الناس الى الله سبحانه وتعالى ؛ قائلاً : {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}[3].

ثم إننا نجد أن القرآن يبين لنا وجود مسلكين يؤثران على المجتمعات:

المسلك الأول ينتهج منهج الإرشاد، وهو مسلك الأنبياء^ الذين يدعون الناس إلى عبودية الله سبحانه وتعالى.

 والمسلك الآخر ينتهج منهج الإغواء، وهو مسلك أولياء الطاغوت الذين يقومون بإغواء الناس بدعوتهم إلى أنفسهم. يقول الدكتور حسن عباسي: «في الآية: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} ينبغي أن نفكّ الإغواء عن الإرشاد، يعني أن هناك نوعين للقدرة الباردة: قدرة إغواء، وقدرة إرشاد، في قدرة الإغواء يُطلب منكم أن تعملوا ما يريد الآخر، لكن قدرة الإرشاد يُطلب منكم أن تعملوا ما يريد الله.

 هكذا يقول لنا الأنبياء^، يعني أنهم لا يدعون لأنفسهم. وهذه نقطة أساسية في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية على كل منا أن يجيب على هذا السؤال: هل كل ما نقوم به من أعمال هو ما يريد الآخر أن نقوم به، أو ما يريده الله؟ يعني هل نريد ما يريد الآخرون، أو نريد ما يريد الله؟ ثم نسأل المسؤولين: هل إنهم يدعون لأنفسهم، أو يدعون لله؟ فهناك دعوتان في التاريخ، دعوة بشرية مادية ودعوة إلهية.)[4]

فعلينا أن نلتفت إلى كيفية تأثيرنا وفيمن نؤثر وبمن نتأثر؛ حتى نكتشف إن كنا على منهج الغواية أو الرشاد، أولا. وفي هذا الالتفات إعانة على المشروع العام الذي نطمح إلى تحقيقه  على الأرض، هذا المشروع الذي يتسابق إليه كل المؤمنين باتخاذ كل منهم دوره، وتسخير إمكانياته للمشاركة في تحقيقه استجابة منهم للآية: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}[5]. وعندما تقوى صفة الإيثار في المتسابقين، يقدِّم كل منهم كل ما يستطيع تقديمه حتى ينتصر الآخر. وأي هؤلاء  كانت مرتبته الإيمانية أرقى وقربه من الله أشدّ كان إيثاره أكثر… !!

إن من لا يستمسك عند ارتقائه بحبل الله الممدود من السماوات إلى الأرض، فإنه سوف يجعل الآخرين حبالاً له حتى يصل إلى أهدافه، وبما أن هذه الحبال ليس لديها القابلية والقدرة على أن توصل للهدف المُراد، فإن اتخاذها ـ وهي حبال وهمية ـ سوف يسقط المتمسك بها في النار والعذاب. ولذلك فقد ميّز الله سبحانه وتعالى بين حبلين: حبل من الله وحبل من الناس، قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ}[6].  أي أن التمسك بحبل الناس يؤدي إلى غضب الله كما يستظهر من مجموع الروايات التي تتحدث عن حقيقة هذا الحبل أنه الأئمة^: «الأئمة حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض».

 عندما تعتمد الدول الغربية على القدرة الأرضية والثروات الطبيعية لتحقق أهدافها -أياًّ كانت تلك الأهداف- فإن هذا الاعتماد في الواقع ليس إلا وهماً وخيالاً، وهو بداية سقوط وانحدار وتسافل في الظلمات: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}.

ثالثاً : الاعتصام بحجة الله

إن حركة وليّ الله تدور مدار مشيئة الله وإرادته؛ ولذلك فإن الاعتصام والتمسك به يضع الإنسان على الصراط المستقيم، أمّا المتمسكون بحبل  أولئك المستكبرين الذين يستضعفون الآخرين؛ فمنهم من يحرق بالنار، ومنهم من يكون هو النار. وهؤلاء يتجاوزون كل الحدود الإنسانية والطبيعة، ويستمرون في الباطل والظلمات فيصبحون في متاهة مظلمة لا يتمنون فيها قبساً من نار فقط، بل يتمنون أن يصبحوا هم ناريين. وهذا ما يصلون إليه فعلاً؛ ولذلك فالنار حق، وتنبع من رحمة الله سبحانه وتعالى بهم.

   إن شدَّة عذابهم رحمة لهم؛ لأن ظلماتهم التي انغمسوا فيها باختيارهم لا يمكن رفعها إلا بشدة العذاب، ويختم أمرهم بناريتهم. وقد ذكر القرآن العزيز نموذجاً على ذلك، وهو أبو لهب: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}[7] والتبّ هو الخسران العظيم، وذكر أبي لهب بكنيته؛ لتوافق كنيته حاله حيث أنه {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍٍ}، أي أن مآله إلى النارية. وتكرر التّب لأنه ضَلّ وأضلّ.

   ثم تذكر الآيات أن شعوره بالاستغناء لا يغنيه عن الغني المطلق، ولا يرضيه، بل يفسد إنسانيته، كما تفسد إنسانية كل من استمسك به مثل امرأته التي وصفها القرآن بأنها {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} وکان يقال للنمّام الذي يثير الفتنة بين الناس بأنه حامل الحطب، فكانت أم جميل زوجة أبي لهب تثير الفتن ضد رسول الله|. ويمكن القول: إن  هناك توافقاً بين ترتيب الآيات، فالآية السابقة تناولت الحديث عن مآل أبي لهب، وهذه الآية تتحدث عن مآل امرأته حيث إنها سوف تحمل حطب النار إلى زوجها ليحترق بها، ثم تصف الآية الأخيرة كيفية حملها لهذا الحطب، حيث تحمله في جيدها. والجيد هو مقدمة العنق، وهو المكان الذي تضع فيه المرأة الحلي لتتزين بها.

   وربما نجد في التعبير بـ{ فِي جِيدِهَا} دون «على جيدها» إشارة إلی أن هذا الحبل الذي تحمله هو ذاتي من ذاتياتها، وليس أمرا خارجاً عنها. ثم يوصف الحبل بأنه من مسد، والحبل الممسود هو المفتول فتلاً قوياً. وربما نجد أيضاً في ذلك إشارة إلى شدة إصرارها على اتباع الباطل، وتمسكها به مع رؤيتها للحقّ: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}.[8]

وفي المقابل نجد أن من يهدف إلى رضا الله، ويُؤثِر الآخرين على نفسه، ويعمل لتحقيق الأمل الموعود الذي يتحرك فيه وإليه كل المجتمع العالمي ـ باختلافهم- أنه كلما أصبح أكثر علوّاً كلما أصبح أكثر نورانية، حتى يصبح هو النور. ولذلك يحصل تسابق في الإيثار لتحقق القرب الإلهي والقرب إلى الولي؛ لأن أولياء الله هم نور الله في السماوات والأرض، ومنهم ينبع كلّ نور. إن محبة الله ووليه تغير العلاقات بين المؤمنين إلى علاقات قائمة على المحبة والفداء والإيثار.

 ____________________________

[1] ان ما ذکر أعلاه هو صرف تأمل من الکاتبه ولیس له علاقة بتفسیر الآیة.

[2] الرحمن: 19 ـ 20.

[3] سورة آل عمران.

[4] مقطع من محاضرة بعنوان الحرب الباردة.

[5] آل عمران، 133

[6] آل عمران، 112.

[7] سورة المسد.

[8] سورة النمل: 14.



عصمة الأنبياء[عليهم السلام] ـ 1

24 آگوست 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

عصمة الأنبياء[عليهم السلام] ـ 1

﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾.

مجمل الهيكل العام للآية الكريمة أن الله عز وجل يعصم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخطأ وإن كان بشراً. ذلك أن البشر بحكم كونهم بشراً معرضون للخطأ؛ لأن الكمال الله عز وجل، فإذا كان الإنسان كذلك فإنه يكون عرضة للتأثر بالنوازع نفسها التي يتأثر بها غيره من الناس بما عندهم من عواطف وعلاقات وارتباطات ولحظات ضعف تمرّ بهم، وكلّها تؤثر عليهم. فالآية الكريمة تقول له صلى الله عليه وآله وسلم: مع أن طبيعتك بشرية، لكنك بشرٌ صانه الله عن الوقوع في الخطأ. هذا هو مجمل جو الآية.

المبحث الأول: سبب في نزول الآية الكريمة

يذكر المفسّرون في نزول هذه الآية الكريمة أربعة أسباب:                     

السبب الأوّل: أن وفداً من ثقيف جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: إنك دعوتنا إلى الإسلام، ونحن نسلم ونبايع بثلاثة شروط قال صلى الله عليه وآله وسلم: “ما هي؟”. قالوا:

الأوّل: أن تحرّم وادينا كما حرمت مكة، فكما أن مكة محرّمة ولا يدخلها الإنسان إلا محرماً، وتترتب عليها أحكام، فنحن نريد أن تقول عن وأي ثقيف: إن الله جعله مثل مكة. وتذكر للناس أن الله أوحى بحرمة هذا الوادي.

والثاني: أنك تأمر بالصلاة، ومن أجزاء الصلاة أن الإنسان ينحني، فيركع ويسجد، ونحن لسنا على استعداد لأن ننحني، لأن انحناءنا ذلّ، فتريد أن تعفينا من هذا.

والثالث: أننا نريد منك مهلة سنة لتحطيم الأصنام، فنجمع بهذه السنة الهدايا والنذور التي تهدي للأصنام، ثم بعد ذلك نكون مستعدّين لتحطيمها وتكسيرها.

فإن حقّقت لنا هذه الشروط الثلاثة آمنا بك وبايعناك، وإلا فلا نؤمن ولا نبايع.

نظرة على السبب الأول

ولنلق الآن بعض الضوء على شروطهم الثلاثة هذه:

فالشرط الأول ـ وهو تحريم الوادي ـ فيه طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكذب ويدّعي أن هذا وحي من الله. وهذا منتهي العجرفة والصفاقة عند هؤلاء؛ فهم  يريدون منه صلى الله عليه وآله وسلم أن يكذب، ويقول ما لم يقله الله له، وينسبه إليه تعالى. وهذه مشكلة من أخطر المشاكل، فهؤلاء لا يعرفون قيمة الوحي، ول يعرفون أن النبوّة كلّها تتزلزل إذا ثبت بحادثة واحدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمكن أن يصدر منه شيء من هذا النوع.

أما الشرط الثاني ـ وهو إعفاؤهم من الانحناء في العبادة ـ فهذه مثل نظرية أبي جهل الذي دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فقال له: تريد مني أن أصلي حتى تعلوني إستي؟ وهذا نعط من التفكير التافه الذي لا يستحقّ المناقشة؛ لأن المنحني في الصلاة ينحني لله الخالق البارئ الرزاق الذي أنعم عليه.

وأمّا شرطهم الثالث وهو أن يمهلهم النبي صلى الله عليه وآل وسلم سنة حتى يجمعوا الهدايا والنذور التي تهدى للأصنام، فيوحي إلينا بالنظرية التي تقول: إن معظم السلوك مرتبط بالعامل الاقتصادي، وهي النظرية الماركسية القائلة: إن دوافع الإنسان في السلوك دوافع اقتصادية. فإن أراد الصلاة والعبادة وغيرها فذلك بدافع اقتصادي، وإن السلوك يتأثر 100% بالاقتصاد. وهذه النظرية مبالغ فيها.

وتمسى مثل هذه النظريات بالنظريات ذات العامل الواحد. صحيح أن العامل الاقتصادي قد يلعب دوره في التأثير على السلوك، ولكن ليس معنى ذلك أن كلّ سلوك الإنسان هو بدوافع اقتصادية؛ لأنهم يقولون مثلاً: إن الإنسان حتى لو عبد الله فإنه يريد أن يراه الناس متديناً فيطمئنوا إليه ويتعاملوا معه أكثر، فيربح أكثر.

وهذا سوء ظن بالإنسان أولاً، وهو خلاف الواقع ثانياً، لأننا نعرف أن الإنسان تحركه دوافع متعددة، كغرائز الجوع والجنس والأنانية وغيرها. والمسألة معروفة ولا تحتاج إلى تفصيل.

فهذه الشروط الثلاثة إذن تدل على عقلية بدائية جاهلية.

السبب الثاني: أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم لما كسر الأصنام قاله المشركون: اترك لنا صنماً واحداً وهو على الصفا، فنحن مستعدّون لأن نؤمن بك، ولكن اترك لنا هذا الصنم مدّة من الزمن حتى نروّض أنفسنا ثم نكسره.

السبب الثالث:أن المشركين قالوا لنبي صلى الله عليه وآله وسلم: تدعو إلى الله وتشتم آلهتنا؟ فأنت يمكنك  أن تدعوا إلى الله من غير أن تشتم آلهتنا. فكفّ عن شتمها، ولا تعبها وتفسد شبابنا.

السبب الرابع ـ وهو سبب يستدعي التوقف عنده قليلاً ـ: أن قريشاً قالوا له: لا ندعك تلمس الحجر الأسود إلّا أن تلم بآلهتنا. فقبل أن تلمس الحجر الأسود عليك أن تمرّ بأصنامنا وتتمسّح بها.

ويقول المفسرون: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما طلبوا منه ألّا يمسّ الحجر الأسود حتى يمرّ بآلهتهم، قال ف نفسه: إن الله يعلم أني كاره لهذا المعني، فل مانع من أن أمر  وأهمهم بأنني مررت بآلهتهم، لكي أمّر إلى ما هو أهم، وهو الطواف وعبادة الله، والتماس الحجر الأسود.

نظرة على السبب الرابع

وهنا يأتي هذا السؤال: هل ينافي ما همّ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم العصمة أم لا ينافيها؟ وهذا من قبيل: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، فما هم الهمّ هنا؟ هل هو تحرّك النوازع النفسيّة في نفسه بحكم كونه بشراً لولا العصمة؟ فكلمة ﴿لَوْلا﴾ هي حرف امتناع لوجود، ومعني ذلك: لو لا أنك معصوم لكنت انسقت معهم لذلك. فالله عندما يرسل نبياً فليس معنى ذلك أنه ينقطع عن ارتباطه بحكم كونه بشراً، وإنما تبقى له غرائزه ونوازعه البشرية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾، لكنه بشر معصوم لا يصدر منه الخطأ.

فلو أن معدتي أحسّت، وكان عندي دين، هل كنت أُشبعها من الحرام؟ كلا طبعاً. فكوني أعرف أن أكل مال الناس حراماً ليس معناه ألّا تتحرك معدتي بالجوع. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده همّ وعنده تحرّك وغرائز، والغرائز تخاطبه وتريد إشباعها، لكن الله يعصمه عن الوقوع بالخطأ. على أن يلاحظ أن عصمته لا تكون بالإجبار.

وبما أننا مررنا بهذا الموضوع فدعونا نلق عليه الضوء، فهناك ضجّة تثار، ومفادها أن الشيعة يقولون: إن أئمّتنا معصومون. في حين أن صاحب الضجّة يثبت العدالة لعشرات الآلاف من لصاحبة، فهم عدول لا يصدر منهم الخطأ، وإن صدر فهو اجتهاد، والمجتهد له أجر إن أخطأ. فإذا كان  من الممكن أن يكون الإنسان عادلاً ولا يصدر منه الخطأ، فلمَ يستكثرون علينا أن يكون إنسان معصوماً؟

ثم ما هي العصمة؟ العصمة هي الامتناع عن الخطأ، فلدى المعصوم القدرة على الإتيان بالفعل ولكنه لا يفعله، والقدرة على ترك الطاعة لكنه لا يتركها. فهو يستطيع ترك الصلاة ولا يتركها، ويستطيع أن يشرب الخمر ولا يشربه، لأن لديه لوناً من التربية العالية. وهذا هو اللطف الذي صنعه الله بالمكلف فجعله يمتنع عن إتيان القبيح وترك الواجب.

فإن كان كذلك فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تذهب عنه خواصّه البشريّة، ولا قلعت عنه نوازعه، فهو يهم أن يلبّي مطلبهم لو لا العصمة. وقد تكون هذه طريقة من باب (الوسائل والغايات)؛ فيتوسّل إليها بوسيلة الغاية. فالإنسان يستعمل الوسيلة كي يصل إلى الغاية.

وكمثال على ذلك أن الله تعالى نهى المؤمن أن يذلّ نفسه، ولكن في سبيل الإصلاح بين اثنين يمكن أن يذلّ نفسه، فيأتي إلى هذه ويخضع له قليلاً، ويذهب إلى ذاك ويفعل كذلك. فيلاحظ ما يترتب على المسألة من موضوع أهم يضحيّ بالمهم من أجل الأهمّ. وهذا من العناوين التي يستند إليها الفقهاء، وهو تقديم الأهمّ على المهمّ. وله تطبيقات كثيرة.

فكنت المسألة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الباب، فكان الأهمّ أن يرشد هؤلاء، والمهمّ أن يمرّ على الصنم ويحي إلى المقابل أنه كرّم هذا الصنم واحترمه. فهداية الناس أهمّ من المرور على الصنم. فلما همّ بذلك نزلت الآية تمنعه. فالنبي ما ارتكب شيئاً ينافي العصمة.

ومن ناحية ثانية فإن الهمّ الذي يحدث في داخل نفس الإنسان لا يؤاخذ عليه الإنسان  دون الفعل والقول. فلو دار في ذهني أن أرتكب معصية، ولم أتكلّم بها ولم أطبقها عملياً، فلا أؤاخذ عليها، يقول الحديث الشريف: (وُضع عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم يعمل به أو يتكلّم). فمجرد الخواطر التي تحدث في ذهن الإنسان لا يؤاخذ عليها إلّا إذا طبّقها بالقول والفعل.

هذه خلاصة أسباب النزول. ونعود الآن إلى الآية الكريمة، فالمجموع الذي نستفيده منها أن المشركين، حاولوا جرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطريقة أو بأخرى إلى تلبية مطالبهم. لكن الله عصمه عن أن ينزل إلى هذا المستوى.

يتبع…



شرح دعاء كميل (20)

23 آگوست 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء كميل (20)

﴿اللّهمُ اغفِر ليَ الذُّنوبَ الَّتي تَهتِكُ العِصَمَ﴾

الغفران والمغفرة: السّتر، ومنه قولهم: جاؤوا الجمّ الغفير، أي الجمع السّتير، يعني: لكثرتهم كأنّهم ستروا وجه الأرض من جوانبه. وهو تعالى غفور وغفّار، أي ستّار للجرائم والخطيئات الشرعيّة، والنقائص الإمكانيّة، بذيل رحمته الرحمانيّة ورحمته الرحيميّة.

والذّنوب: جمع الذّنب، وهو الإثم والجريمة.

[كلام المحقّق السبزواري]

والذّنب والخطيئة ـ كما قال صدر المتألّهين +([1])، نقلاً عن كلمات الفقهاء )رضوان الله عليهم( ـ تنقسم إلى ما هو ذنب وخطيئة بالنّسبة إلى أصل الشّرع، كشرب الخمر والميسر، وغيرهما من المنهيّات الشرعيّة، وإلى ما يصير ذنباً بالنيّة والعزم، كالتزيين للزّناء، والأكل للتقوّي على المعصية، وإلى ذنب الجوارح وذنب القلوب، وكلّ منهما إلى الصغيرة والكبيرة.

[الأقوال في تعيين الكبيرة ]

ثم قال: «واختلف آراء الأكابر في الكبائر على أقوال شتى، وليس للقلب اطمئنان على أدلّتهم، ولعلّ في اختفائها حكمة، وهي الاجتناب عن جميع المعاصي مخافة من الوقوع فيها.

فقال قوم: هي كلّ ذنب توعّد الله تعالى عليه في الكتاب المجيد بالعذاب والوعيد([2]).

وقال بعضهم: هي كلّ ذنب رتّب عليه الشارع حدّاً، أو نصّ فيه بالعقاب([3]).

وقالت فرقة: إنّها كلّ خطيئة تؤذن بأنّ فاعلها قليل الاعتناء في دين الله تعالى([4]).

وقال جماعة: إنّها كلّ ذنب ثبت حرمته بالبرهان([5]).

وقالت طائفة: هي كلّ ذنب أوعد الله تعالى فاعلها في القرآن الحكيم بالعذاب الأليم، أو أوعد حججه تعالى في سننهم السديدة بالعقوبة الشّديدة([6]).

وعن عبدالله بن مسعود أنّه قال: اقرؤوا من أوّل سورة النّساء إلى قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ([7])، فكلّ ما نهى عنه في هذه السّورة إلى هذه الآية فهو كبيرة([8]).

وقالت طائفة: الذنوب كلّها كبائر؛ لاشتراكها في مخالفة الأمر والنهي، لكن قد يطلق الصغيرة والكبيرة على الذنب بالإضافة إلى ما فوقه وما تحته، كما أنّ القُبلة بالنسبة إلى الزناء صغيرة، وبالنسبة إلى النظر بالشهوة كبيرة([9]).

قال الشيخ الجليل أمين الإسلام أبو علي الطّبرسي طاب ثراه في مجمع البيان ـ بعد نقل هذا القول ـ : «وإلى هذا ذهب أصحابنا (رضي الله عنهم)، فإنّهم قالوا: المعاصي كلّها كبيرة، لكن بعضها أكبر من بعض، وليس في الذنوب صغيرة، وإنّما تكون صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر، ويستحقّ العقاب عليه أكثر»([10])»([11]) انتهى كلامه+.

وفي مجمع البحرين قال: «الذنوب تتنوّع إلى ماليّة وبدنيّة، وإلى قوليّة وفعليّة، والفعليّة تختلف باختلاف الآلات التي تفعل بها، إلى غير ذلك.

فمنها: ما يغيّر النّعم، ومنها: ما يُنزل النّقم، ومنها: ما يقطع الرّجاء، ومنها: ما يديل الأعداء، ومنها: ما يردّ الدعاء، ومنها: ما يستحقّ بها نزول البلاء، ومنها: ما يحبس غيث السماء، ومنها: ما يكشف الغطاء، ومنها: ما يعجّل الفناء، ومنها: ما يظلم الهواء، ومنها: ما يورث النّدم، ومنها: ما يهتك العصم، ومنها: ما يدفع القسم، إلى غير ذلك».

ثمّ قال: «واعلم أنّ جميع الذّنوب منحصرة في أربعة أوجه ولا خامس لها: الحرص، والحسد، والشّهوة، والغضب. هكذا روي عنهم ^»([12]) انتهى.

أقول: لعلّ مراده بالانحصار في الأوجه الأربع أنّ أسباب الذنب منحصرة في هذه الأوجه، بل منحصرة في الشهوة والغضب فقط؛ لأنّ الحرص والحسد من صفات الشهوة والغضب، وخواصّهما: الهتك والمزق والخرق.

[معنى العصمة]

و«العِصَم»: جمع «عصمة»، كـ«نعم»: جمع «نعمة»، وهي لغةً: المنع([13]). وفي اصطلاح الفقهاء([14]) والحكماء([15]): كيفيّة روحانية يمتنع بها صدور الخطأ عن صاحبها؛ لعلمه بمثالب المعاصي ومناقب الطّاعات.

فإذا بلغ الكلام إلى هذا المقام، فالأنسب أن نفصّل العصمة بأنّها ما هي؟ وفي مَن هي؟ وفي كم هي؟ ومتى هي؟ وعمّ هي؟ ولِمَ هي؟

أمّا الأوّل: فقد ذكرتها.

وأمّا الثاني: فهي في الأنبياء، والأئمة الإثنى عشر، وفي الملائكة.

والظاهريّون ـ الذين قالوا: إنّ الملائكة أجسام لطيفة هوائية، تقدر على التشكّل بأشكال مختلفة، مسكنها السموات، وفيهم داعية الشهوة والغضب([16]) ـ يجوّزون عليهم المعصية. واختلفوا في عصمتهم.

وعمدة ما أوقعهم في الشبهة والاختلاف في عصمة الملائكة أمران:

أحدهما: الاستثناء في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ([17]).

والثّاني: حكاية هاروت وماروت، فإنّهما كانا ملكين ففسقا عن أمر ربّهما.

واُجيب عن الأوّل: أنّه بني على التّغليب، أو يكون المستثنى فيه منقطعاً.

وعن الثاني: بأنّها مؤوّلة، وقد أوّلها العلّامة الكاشي في تفسير الصّافي([18])، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ([19])، بعد ذكر أحاديث كثيرة مختلفة الورود في قصّتهما عن الأئمة^. والآيات الدالّة على عصمتهم في القرآن الحكيم كثيرة جدّاً.

وأمّا الثالث: فجميع الفقهاء والحكماء والمتكلّمين مطبّقون على وجوب عصمة الأنبياء في اعتقاداتهم، وقائلون بأنّهم معصومون عن الكفر، إلّا الخوارج ـ لعنهم الله ـ فإنّهم يقولون: من صدر عنه الخطيئة فهو كافر، ويجوّزون صدور الذّنب عن النبيين^([20]).

وأمّا الرّابع: قال كثير من المعتزلة، وجمّ غفير من الأشاعرة([21]): إنّ العصمة مخصومة بزمان البعثة في الأنبياء، ولا يجب قبلها.

وأمّا الخامس ـ يعني العصمة عن الصغيرة أو الكبيرة، عمدهما أو سهوهما ـ ففيه أقوال ومذاهب([22]):

فالحشويّة قد جوّزوا تعمّد الصغيرة والكبيرة على الأنبياء.

وكثير من المعتزلة جوّز تعمّد الصغيرة بشرط عدم خساستها، كسرقة اللقمة وتطفيف الكيل، وأمثال ذلك.

والحنابلة قالوا: جاز صدور الذّنب عن الأنبياء على سبيل الخطأ في التّأويل.

والأشاعرة قالوا بصدور الصّغيرة عنهم سهواً لا عمداً. وغيرها من أباطيلهم التي ما لاقت بالذّكر.

فالمذهب الذي هو أحقّ وأليق بالذكر ما ذهب إليه الإماميّة، من وجوب العصمة في الأنبياء والأوصياء والملائكة مطلقاً، وفي تمام عمرهم، سواء كان في الاعتقاديّات، أو في التبليغ، أو في الفتوى، أو في الأحوال والأفعال، صغائر كانت الذنوب أم كبائر، ولا يجوز السهو والنسيان عليهم^.

وأمّا السادس ـ أي الدّليل عليها ـ : فكما قالوا من أنّ صحة الوجوب على الله كالوجوب من الله، وقد تقرّر عند المحقّقين من أهل الكلام([23]) أن اللّطف على الله واجب، ومن هنا وجب على الله بعثُ النّبي ونصب الإمام. وقالوا: لا شكّ أنّ العصمة على الوجه المذكور أدخل وأمدّ في اللّطف، ولهذا يجب تنزّههم عن العيوب والنقائص الخُلقيّة كالخَلقيّة، فلا يجوز على الحكيم الإخلال به.

وعن علي بن الحسين’، قال: «الإمام منّا لا يكون إلّا معصوماً، وليست العصمة في ظاهر الخِلقة فتعرفَ». قيل: فما معنى المعصوم؟ قال×: «المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن، فلا يفترقان إلى يوم القيامة»([24]).

ثمّ المراد بالعصمة في قول السّائل معناها اللّغوي، وهو زجر العقل ومنعه النّفس من الوقوع في المعصية.

و«الذّنوب التي تهتك العصم» ـ على ما روي عن الصّادق×([25]) ـ هي: شرب الخمر واللّعب والقمار، وفعل ما يضحك النّاس من المزاح واللّهو، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الرّيب. فليجتنب عن جميعها؛ لئلّا يهتك العصمة.

 _________________________

([1]) شرح الأسماء الحسنى 1: 33، باختلاف.

([2]) النهاية: 325.  تحرير الأحكام 5: 247. الدروس الشرعية  2: 125. مدارك الأحكام 4: 69. كفاية الأحكام 2: 745.

([3]) حكي هذا القول عن سعيد بن جبير ومجاهد في تفسير مجمع البيان 3: 70، وبه قال في تفسير البيضاوي 2: 178، وتفسير أبي السعود 2: 171.

([4]) حكي عن  إمام الحرمين وغيره في روضة الطالبين 8: 199 ـ 200. تفسير القرآن العظيم (ابن كثير) 1: 499. فتح الباري 10: 334.

([5]) حكي هذا القول في تفسير البيضاوي 2: 178، وتفسير أبي السعود 2: 171.

([6]) حكي عن الرافعي في جواهر العقود 2: 349.

([7]) النساء: 31.

([8]) تفسير التستري: 53. تفسير القرآن العظيم (ابن أبي حاتم) 3: 933/5214. الكشف والبيان (تفسير الثعلبي) 3: 295. عمدة القاري 14: 62.

([9]) انظر: الحبل المتين: 82، حكاه عن المفيد، وابن براج، وابن إدريس، وأبي الصلاح )نور الله مراقدهم(.

([10]) تفسير مجمع البيان 3: 70، وفيه: «المعاصي كلّها كبيرة من حيث كانت قبائح…».

([11]) شرح الأسماء الحسنى 1: 33، باختلاف يسير.

([12]) مجمع البحرين 2: 61.

([13]) لسان العرب 12: 403، مادة «عصم».

([14]) لم نعثر عليه.

([15]) شرح الأسماء الحسنى 2: 36.

([16]) انظر: بحار الأنوار 56: 202 ـ 203.

([17]) البقرة: 34.

([18]) التفسير الصافي 1: 171 ـ 177.

([19]) البقرة: 102.

([20]) حكي عنهم في بحار الأنوار 11: 89، ذيل الحديث 16.

([21]) بحار الأنوار 11: 91، وفيه: « وهو قول أكثر الأشاعرة ومنهم الفخرالرازي، وبه قال أبو هذيل وأبو علي الجبائي من المعتزلة». النور المبين في قصص الأنبياء (للسيد نعمة الله الجزائري): 21، وفيه: «وهو قول أكثر الأشاعرة ومنهم الفخر الرازي». شرح الأسماء الحسنى 2: 37، وفيه: «فعند أكثر الأشاعرة وجم غفير من المعتزلة العصمة …».

([22]) حكي عنهم في كشف المراد: 471. بحار الأنوار 11: 90. عصمة الأنبياء (فخر الدين الرازي): 8.

([23]) تقريب المعارف (أبو الصلاح): 150. المسلك في أصول الدين (المحقق الحلي): 306. الألفين (العلامة الحلّي): 60.

([24]) معاني الأخبار: 132/1. بحار الأنوار 25: 194/ 5، وفيهما: «فيعرفَ بها ولذلك لا يكون إلّا منصوصاً …».

([25]) معاني الأخبار: 270/ 2. وسائل الشيعة 16: 282، أبواب الأمر والنهي، باب 41، ح 21556. فيهما: «عن أبي خالد الكابلي، قال : سمعت زين العابدين علي بن الحسين’».



شرح دعاء الصباح 25

21 آگوست 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء الصباح 25

﴿وإنْ أسلَمَتْني أناتُكَ لِقائدِ الأمَلِ وَالمُنى، فَمَنِ المُقيلُ عَثَراتي مِن كَبَواتِ الهوى؟﴾

أسلمتني»: خذلتني. «الأناة»: الحلم والوقار، كأنّها قلب «التأنّي». و«القائد»: من «القود» نقيض السوق؛ فإنّه من أمام وهذا من خلف([1]). و«قاد» الرّجل البعير واقتاده: جرّه من خَلفه. و«الأمل»: الرجاء، كالمُنية والأُمنية. و«مَنْ»: كسابقتها([2]). و«الإقالة»: الإزالة والفسخ، ومنه: إقالة البيع. وفي الحديث: «مَن أقالَ نادِماً أقالَ الله عَثرَتَهُ يَومَ القيامَةِ»([3]). و«العثرات»: الكبوات، فكلمة «مِن» بيانيّة، يقال: عثر، أي كبا. والكبوةُ: الانكبابُ على الوجه. و«الهوى»: شهوةُ النّفس الأمّارة أو اللّوامة، وهما المراد بالقائد. وباصطلاح «الحكيم» هو الوهم؛ لأنّ الرّجاء والأمل ونحوهما من مدركات الوهم.

وفي «الأناة» إشعار باستغراب؛ بناءً على أنّ له تعالى الغناءُ عن الطاعة وعدم الاستضرار بالمعصيّة، كما في الدّعاء: «اللهم إنَّ الطّاعَةَ تَسُرُّكَ، وَالمَعصيَةُ لا تَضُرُّكَ؛ فَهَبَ لي ما يَسُرُّكَ، واغفِر لي ما لا يَضُرُّكَ يا أرحَمَ الرّاحمين»([4]).

والإسناد إليها كسابقه، أي لو خلّيتني يا إلهي ونفسي الخائنة الجانية، ووهمي المؤمّلة المرجية، فمَنْ يزيل آثار زلّاتي الجمّة الكثيرة كمّاً؟ على ما هو مقتضى الجمع المضاف المفيد للعموم، والمحكمة: الرّاسخة كيفاً؛ لأنّ إمهال العظيم الصبور مديد موفور؛ فإذا استحكمت الملكات الرّذيلة، وتجوهرت العادات السيّئة صارت طبيعةً ثانية مخالفة للفطرة الاُولى الإسلاميّة. والّذاتي لا يتبدّل، والنّفس موضوع بسيط، ولا ضدّ له «خُلِقُتم لِلبَقاء لا لِلفَناء»([5])  فاستحقاق خذلانه تعالى بئس القرين، وتوفيقه نعم الرفيق المعين.

_________________________

([1]) أي أن قائد القوم يكون أمامهم، وسائقهم يكون وراءهم.

([2]) في قوله×: «فمن السالك؟»، فهي استفهامية مبتدأ، والمقيل: خبره.

([3]) مكارم الأخلاق (الطبراني): 72/60، آداب الصحبة: 88/67.

([4]) روضة الواعظين: 329 ـ 330، بحار الأنوار 91: 92/5، 93/5، 121، 97: 450.

([5]) غرر الحكم/الحكمة: 2291.



في أعمالِ شهرِ ذِي القعدة

19 آگوست 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

في أعمالِ شهرِ ذِي القعدة

اعلم انّ هذا الشّهر هو اوّل الاشهر الحرم التي ذكرها الله في كتابه المجيد، وروى السّيد ابن طاووس في حديث انّ شهر ذي القعدة موقع اجابة الدّعاء عند الشّدة، وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاة في اليوم الاحّد من هذا الشّهر ذات فضل كثير، وفضلها مُلخّصاً انّ من صلّاها قبلت توبته، وغفرت ذنوبه، ورضى عنه خصماؤه يوم القيامة ومات على الايمان وما سلب منه الدّين، ويفسح في قبره، وينوّر فيه، ويرضى عنه أبواهُ، ويغفر لابويهِ ولذرّيّته، ويوسّع في رزقه، ويرفق به ملك الموت عند موته، ويخرج الرّوح من جسده بُسير وسهولة، وصفتها أن يغتسل في اليوم الاحّد ويتوضّأ ويصلّي أربع ركعات يقرأ في كلّ منها الحمد مرّة وقُلْ هُوَ اللهُ اَحَدٌ ثلاث مرّات والمعوّذتين مرّة ثمّ يستغفر سبعين مرّة ثمّ يختم بكلمة لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ الْعَليِّ الْعَظيمِ ثمّ يقول: يا عَزيزُ يا غَفّارُ اغْفِرْ لي ذُنُوبي وَذُنُوبَ جَميعِ المؤمِنينَ وَالْمُؤمِناتِ فَاِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ اَنْتَ.

اللّيلة الخامسة عشرة: ليلة مُباركة ينظر الله تعالى فيها الى عباده المؤمنين بالرّحمة وأجر العامل فيها بطاعة الله أجر مائة سائح (أي الصّائم المُلازم للمسجد) لم يعص الله طرفة عين كما في النّبوي، فاغتنمّ هذه اللّيلة واشتغل فيها بالعبادة والطّاعة والصّلاة وطلب الحاجات من الله تعالى، فقد روي انّه من سأل الله تعالى فيها حاجة اعطاه ما سأل .

اليوم الثّالِثُ والعِشرون: من سنة مائتين توفّي فيه الامام الرّضا صلوات الله وسلامه عليه على بعض الاقوال ومن المسنون فيه زيارة الرّضا (عليه السلام) من قرب أو بعد .

قال السّيد بن طاووس (رحمه الله) في الإقبال: ورأيت في بعض تصانيف أصحابنا العجم رضوان الله عليهم انّه يستحبّ أن يزار مولانا الرّضا (عليه السلام) يوم ثالث وعشرين من ذي القعدة من قرب أو بعد ببعض زياراته المعروفة أو بما يكون كالزّيارة من الرّواية بذلك .

اللّيلة الخامسة والعشرون: ليلة دحو الارض (انبساط الارض من تحت الكعبة على الماء)، وهي ليلة شريفة تنزل فيها رحمة الله تعالى، وللقيام بالعبادة فيها أجر جزيل، وروي عن الحسن بن عليّ الوشّاء قال: كنت مع أبي وأنا غلام فتعشّينا عند الرّضا (عليه السلام) ليلة خمسة وعشرين من ذي القعدة، فقال له: ليلة خمس وعشرين من ذي القعدة ولد فيها ابراهيم (عليه السلام)، وولد فيها عيسى بن مريم (عليه السلام)، وفيها دحيت الارض من تحت الكعبة، فمن صام ذلك اليوم كان كمن صام ستّين شهراً، وقال على رواية اخرى: ألا انّ فيه يقوم القائم (عليه السلام).

اليوم الخامس والعشرون: يوم دحو الارض، وهو أحد الايّام الاربعة التي خصّت بالصّيام بين أيّام السّنة، وروي انّ صيامه يعدل صيام سبعين سنة، وهو كفّارة لذنوب سبعين سنة على رواية أخرى، ومن صام هذا اليوم وقام ليلته فله عبادة مائة سنة، ويستغفر لمن صامه كلّ شيء بين السّماء والارض، وهو يوم انتشرت فيه رحمة الله تعالى، وللعبادة والاجتماع لذكر الله تعالى فيه أجر جزيل. وقد ورد لهذا اليوم سوى الصّيام والعبادة وذكر الله تعالى والغُسل عملان:

الاوّل: صلاة مرويّة في كتب الشّيعة القميّين، وهي ركعتان تصلّى عند الضحى بالحمد مرّة والشّمس خمس مرّات ويقول بعد التّسليم: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ الْعَلىِّ الْعَظيمِ

ثمّ يدعو ويقول: يا مُقيلَ العَثَراتِ اَقِلْني عَثْرَتي، يا مُجيبَ الدَّعَواتِ اَجِبْ دَعْوَتي، يا سامِعَ الاْصْواتِ اِسْمَعْ صَوْتي وَارْحَمْني وَتَجاوَزْ عَنْ سَيِّئاتي وَما عِنْدي يا ذَا الْجَلالِ وَالاكْرامِ .

الثّاني: هذا الدّعاء الذي قال الشّيخ في المصباح انّه يستحبّ الدّعاء به :

اَللّـهُمَّ داحِيَ الْكَعْبَةِ، وَفالِقَ الْحَبَّةِ، وَصارِفَ اللَّزْبَةِ، وَكاشِفَ كُلِّ كُرْبَة، اَسْاَلُكَ في هذَا الْيَوْمِ مِنْ اَيّامِكَ الَّتي اَعْظَمْتَ حَقَّها، وَاَقْدَمْتَ سَبْقَها، وَجَعَلْتَها عِنْدَ الْمُؤْمِنينَ وَديعَةً، وَاِلَيْكَ ذَريعَةً، وَبِرَحْمَتِكَ الْوَسيعَةِ اَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ الْمُنْتَجَبِ فِى الْميثاقِ الْقَريبِ يَوْمَ التَّلاقِ، فاتِقِ كُلِّ رَتْق، وَداع اِلى كُلِّ حَقِّ، وَعَلى اَهْلِ بَيْتِهِ الاَْطْهارِ الْهُداةِ الْمَنارِ دَعائِمِ الْجَبّارِ، وَوُلاةِ الْجَنَّةِ وَالنّارِ، وَاَعْطِنا في يَوْمِنا هذا مِنْ عَطائِكَ الَْمخْزوُنِ غَيْرَ مَقْطوُع وَلا مَمْنوُع، تَجْمَعُ لَنا بِهِ التَّوْبَةَ وَحُسْنَ الاَْوْبَةِ، يا خَيْرَ مَدْعُوٍّ، وَاَكْرَمُ مَرْجُوٍّ، يا كَفِيُّ يا وَفِيُّ يا مَنْ لُطْفُهُ خَفِيٌّ اُلْطُفْ لي بِلُطْفِكَ، وَاَسْعِدْني بِعَفْوِكَ، وَاَيِّدْني بِنَصْرِكَ، وَلا تُنْسِني كَريمَ ذِكْرِكَ بِوُلاةِ اَمْرِكَ، وَحَفَظَةِ سِرِّكَ، وَاحْفَظْني مِنْ شَوائِبِ الدَّهْرِ اِلى يَوْمِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَاَشْهِدْني اَوْلِياءِكَ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسي، وَحُلُولِ رَمْسي، وَانْقِطاعِ عَمَلي، وَانْقِضاءِ اَجَلي، اَللّـهُمَّ وَاذْكُرْني عَلى طُولِ الْبِلى اِذا حَلَلْتُ بَيْنَ اَطْباقِ الثَّرى، وَنَسِيَنِى النّاسُونَ مِنَ الْوَرى، وَاحْلِلْني دارَ الْمُقامَةِ، وَبَوِّئْني مَنْزِلَ الْكَرامَةِ، وَاجْعَلْني مِنْ مُرافِقي اَوْلِيائِكَ وَاَهْلِ اجْتِبائِكَ وَاصْطَفائِكَ، وَباركْ لي في لِقائِكَ، وَارْزُقْني حُسْنَ الْعَمَلِ قَبْلَ حُلُولِ الاْجَلِ، بَريئاً مِنَ الزَّلَلِ وَسوُءِ الْخَطَلِ، اَللّـهُمَّ وَاَوْرِدْني حَوْضَ نَبِيِّكَ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَاسْقِني مِنْهُ مَشْرَباً رَوِيّاً سائِغاً هَنيئاً لا اَظْمَأُ بَعْدَهُ وَلا اُحَلاَّ وِرْدَهُ وَلا عَنْهُ اُذادُ، وَاجْعَلْهُ لي خَيْرَ زاد، وَاَوْفى ميعاد يَوْمَ يَقُومُ الاَْشْهادُ، اَللّـهُمَّ وَالْعَنْ جَبابِرَةَ الاَْوَّلينَ وَالاْخِرينَ، وَبِحُقُوقِ اَوْلِيائِكَ الْمُسْتَأثِرِينَ اَللّـهُمَّ وَاقْصِمْ دَعائِمَهُمْ وَاَهْلِكْ اَشْياعَهُمْ وَعامِلَهُمْ، وَعَجِّلْ مَهالِكَهُمْ، وَاسْلُبْهُمْ مَمالِكَهُمْ، وَضَيِّقْ عَلَيْهِمْ مَسالِكَهُمْ، وَالْعَنْ مُساهِمَهُمْ وَمُشارِكَهُمْ، اَللّـهُمَّ وَعَجِّلْ فَرَجَ اَوْلِيائِكَ، وَارْدُدْ عَلَيْهِمْ مَظالِمَهُمْ، وَاَظْهِرْ بِالْحَقِّ قائِمَهُمْ، وَاجْعَلْهُ لِدينِكَ مُنْتَصِراً، وَبِاَمْرِكَ في اَعْدائِكَ مُؤْتَمِراً اَللّـهُمَّ احْفُفْهُ بِمَلائِكَةِ النَّصْرِ وَبِما اَلْقَيْتَ اِلَيْهِ مِنَ الاْمْرِ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ، مُنْتَقِماً لَكَ حَتّى تَرْضى وَيَعوُدَ دينُكَ بِهِ وَعَلى يَدَيْهِ جَديداً غَضّاً، وَيَمْحَضَ الْحَقَّ مَحْضاً، وَيَرْفُضَ الْباطِلَ رَفْضاً، اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلى جَميعِ آبائِهِ، وَاجْعَلْنا مِنْ صَحْبِهِ وَاُسْرَتِهِ، وَابْعَثْنا في كَرَّتِهِ حَتّى نَكُونَ في زَمانِهِ مِنْ اَعْوانِهِ، اَللّـهُمَّ اَدْرِكْ بِنا قِيامَهُ، وَاَشْهِدْنا اَيّامَهُ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَارْدُدْ اِلَيْنا سَلامَهُ، وَالسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ .

اعلم انّ السّيد الدّاماد (رحمه الله) قال في رسالته المسمّاة الاربعة ايّام في خلال أعمال يوم دحوّ الارض انّ زيارة الرّضا (عليه السلام) في هذا اليوم هي أكد آدابه المسنونة كذلك، ويتأكّد استحباب زيارته (عليه السلام) في اليوم الاوّل من شهر رجب الفرد، وقد حثّ عليها حثّاً بالغاً .



شرح دعاء كميل (19)

18 آگوست 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء كميل (19)

﴿يا قُدّوسُ

«سُبّوحٌ قُدّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ وَالرُّوحِ»([1])

 «القدّوس»  ـ بضمّ القاف و تشديد الدّال مع ضمّتها ـ وكذا «السبّوح»، بمعنى: الطاهر، المنزَّه عن العيوب والنقائص. وقد يفتح القاف في «القدّوس» والسّين في «السبّوح».

فهو تعالى قدّوس، أي منزّه عن جميع النقيصة والعيب، حتى عن الماهيّة؛ لأنّه تعالى ماهيّته إنّيته، وهي تأكّد الوجود والوجوب وشدّة النورية، كما قرّر في محلّه، ومجرّد عن جميع المواد، سواء كانت المادة بمعنى المحلّ المستغني فيها، كما في المادّة بمعنى الموضوع بالنّسبة إلى العرض، أو كانت المادّة بمعنى المتعلّق، كما في البدن بالنسبة إلى النفس، أو كانت المادّة العقليّة، كالجنس إذا أخذ بشرط «لا» في البسائط الخارجيّة، كالأعراض أو كالمادّة التبعيّة؛ لأن هذه معنى المادّة العقليّة في الأعراض، وكالماهيّة بالنسبة إلى الوجود، فإنّ الماهيّة مادّة عقليّة للوجود، فعلت ساحة كبريائه تعالى عن أن يصل إليها أغبرة النّقائص والحاجات والماهيّات والموادّ علوّاً كبيراً، كما قيل:

أنت المنزّه عن نقصٍ وعن شينٍ

 

 

حاشاي حاشاي عن إثبات إثنين([2])

 

 ﴿يا أَوَّلَ الأَوَّلينَ وَيَا آخِرَ الآخِرينَ﴾

هاتان الأوليّة والآخريّة ليستا زمانيّتين كما يتبادر إلى بعض الأوهام؛ لأنّه تعالى ليس في حدّ من حدود الزّمان حتى يحيط به، وكيف يسع للزّمان الذي هو من مبدئه إلى منتهاه كالآن الواحد بالنّسبة إلى مقرّبي حضرته تعالى، فكيف بجنابه أن يظهر الزمان في سطوع نوره تعالى؟

بل هذه الأوّليّة والآخريّة سرمديّتان وذاتيّتان؛ إذ وعاء وجوده تعالى هو السّرمد، كما أنّ وعاء وجودات العقول والنّفوس المفارقة هو الدّهر، ووعاء الطّبائع السيّالة الممتدّة وعوارضها هو الزّمان. فهو تعالى «أوّل الأوّلين»؛ إذ منه بدء وجود كلّ أوّل في السّلسلة النزوليّة، و«آخر الآخرين»؛ إذ إليه ينتهي كلّ آخر في السّلسلة الصعوديّة، وليس قبله ولا بعده تعالى شيء حتّى يكون هو أوّل الأوّلين وآخر الآخرين.

وفي ابتداء دعاء الاعتصام، قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ‏ الْأَوَّلُ‏ فَلَيْسَ‏ قَبْلَكَ‏ شَيْ‏ءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْ‏ءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْ‏ءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْ‏ء»([4]).

وتحقيق المقام: أنّه تعالى لمّا كان في الإجادة والإفاضة على أهل مملكته هو المبدأ الأوّل والموجد الأعزّ الأجلّ، ثم فاض منه الجود إلى العقل الأوّل، ومنه إلى العقل الثّاني، ثمّ منه إلى الثالث حتّى العاشر، ثمّ منه إلى أهل هذا العالم، فهؤلاء العقول هم الأوّلون بعد الحقّ الأوّل تعالى، ووسائط جوده بالنسبة إلينا في [النّزول]([5])، فهو «أوّل الأولين»، وكذلك في الصعود: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ([6]) من البشريّة إلى الملكيّة، ومنها إلى العقل الفعّال، ثم إلى العقول الاُخر، حتّى العقل الأوّل، ومنه إلى الفناء في الحضرة الواحديّة، فهو تعالى «آخر الآخرين».

أو بطريق آخر نقول: ثم فاض منه تعالى الجود إلى العقل، ومنه إلى النفس، ومنها إلى المثال، ومنه إلى الأفلاك، ومنها إلى عالمنا العناصر الهيولاني.

أو نقول: ثم فاض إلى الجبروت، ثم إلى الملكوت بقسميها، ثم إلى الناسوت وتلك العوالم متطابقة.

وكذا نقول في العود إلى الله تعالى، كما قال المولوي& في المثنوي:

از جمادي مردم و نامى شدم
مردم از حيوان و پس آدم شدم
بار ديگر بايدم مرد از بشر
بار ديگر از ملک قربان شوم
بار ديگر بايدم جستن زجو
پس عدم گردم، عدم چون ارغنون

وز نما مردم زحيوان سر زدم
از چه ترسم كي زمردن كم شدم
تا بر آرم از ملائك بال وپر
آنچه اَندر وهم نايد، آن شوم
کل شيء هالک إلا وجه هو
گويدم کإنّا إليه راجعون([7])

والّذي لا يبلغ الأوهام دركه هو العقل، ولذا قال: «آنچه اَندر وهم نايد آن شوم». والبيت الآخر إشارة إلى الفناء التّام في الحضرة الواحدية، وهو قرّة عين  العارفين.

أو تقول: هو تعالى أول السّلسلة الطوليّة النزوليّة، ومبدأ المبادئ، «كان الله ولم يكن معه شيء»([8])، وآخر السّلسلة الطوليّة الصعوديّة، وغاية الغايات ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ([9]) ﴿إِنَّا لِله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ([10]). هذا ما عندي لأوّليته تعالى وآخريّته طولاً.

وأما عرضاً، فنقول: هو تعالى أوّل الأنبياء والمرسلين، وما خلق من نوع الآدميّين في الأدوار والأكوار؛ إذ العلّة واجدة لكمال المعلول، وهؤلاء معاليل الله تعالى، فهو أوّل الأوّلين وآخر الآخرين؛ لأنّ إليه تعالى تنتهي سلسلة الأنبياء والأولياء والكمّلين عليهم سلام الله أجمعين.

ثم لما سأل السّائل عن الله تعالى، ووصف طائفة من أسمائه الحسنى وصفاته العليا، استشعر بجماله وجلاله، وتحيّر في عظمته تعالى وكماله، فبهر في عقله والتفت إلى ذنوبه وآثامه، فارتعش من خوفه تعالى فرائصه وعظامه، فرفع يديه ملحّاً وفزعاً إليه فقال مستغفراً عنه تعالى: 

﴿اللّهمُ اغفِر ليَ الذُّنوبَ الَّتي تَهتِكُ العِصَمَ﴾

يتبع…

_________________________

([1]) انظر: مصباح المتهجد: 127/ 208 و 199/ 284.

([2]) من أشعار حسين بن منصور الحلاج الصوفي. ديوان الحلاج: 160، وفيه:

«أ أنت أم أنا هذا في إلهين         حاشاك حاشاك من إثبات إثنين»

 ديوان أميرالمؤمنين علي×: 45، وفيه:

«أ أنت أم أنا هذا العين في العين    حاشاي حاشاي عن إثبات إثنين»

([4]) الكافي 2: 504، باب التحميد والتمجيد، ح 6. مصباح المتجهد: 543.

([5]) في المخطوط: «الزوال».

([6]) فاطر: 10.

([7]) مثنوي معنوي: 455، وفيه باختلاف.

([8]) الكافي 1: 107، باب صفات الذات، ح 2، وفيه: «كان الله عز وجل ولا شئ

غيره». التوحيد (للصدوق): 67، باب التوحيد ونفي التشبيه، ح 20، وفيه: «كان الله ولا شئ معه».

([9]) الشورى: 53.

([10]) البقرة: 156.



شرح دعاء الصباح 24

17 آگوست 2015
التصنيف: مقالات دينية
عدد التعليقات: ٠

شرح دعاء الصباح 24

﴿إلهي إنْ لَمْ تَبتَدِئْني الرَّحمَةُ مِنكَ بِحُسْنِ التَّوفيقِ، فَمَنِ السّالِكُ بي إلَيكَ في واضِحِ الطَّريقِ؟!﴾

«التّوفيق»: توجيهُ الأسباب نحو المطلوب الخير. لمّا صار المقام مقام الأُنس بعد ذكر الفقرات السّابقة، سيّما ما دلّ على الفواضل بالنّسبة إلى الدّاعي كالإرقاد والإيقاظ والكفّ المذكورات، أضاف الّداعي إلهه إلى نفسه، وهذه الإضافة تشريفيّة، وفيها من الابتهاج والالتذاذ ما لا يخفى على المحبّين. وبمثل هذه الإضافة أسكر إبليس اللّعين حيث قال تعالى: ﴿وَإنَّ عَلَيكَ لَعنَتي إلى يَومِ الدّينِ([1]).

وإسناد الابتداء إلى الرّحمة إسنادٌ مجازيّ من باب الإسناد إلى المفعول له، وهو حصولي. وكلمة «مَن» استفهاميّة مبتدأ، خبره «السّالك». و«الباء» بعده للتّعدية. و«واضح الطريق» من إضافة الصّفة إلى الموصوف. والمراد «بالرّحمة» رحمته الّتي وسعت كلّ شيء، ونور وجهه الّذي أضاء به كلّ شَيء وفَيء، وقد مرّ بعض نعوته.

والمقصود: أنّه تعالى وليّ التّوفيق، ومسبّب الأسباب، ولولا توفيقه وتسبيبه لم يمكنّا معرفتُه، والسُّلوكُ نحوه؛ فله الحمد على توفيق الحمد، وهو المُبتدئ بالنّعم قبل استحقاقها([2]).

 وفيه إشارةٌ إلى أنّ ما منه([3]) في هذا السُّلوك عين ما إليه([4])، وأنّ فاتحة كتاب الكون عين الخاتمة: «أوّل الفكر آخر العمل»([5]). وقد ثبت في مباحث الغايات الّتي هي أشرف أجزاء الحكمة أنّ العلّة الغائيّة في كلّ فعل تعود إلى الفاعل بالآخرة:

أمّا في الفعل الكلّي لفاعل الفواعل؛ فلأنّه لا غرض آخر يعلّل فعله سوى ذاته، ولا يجوز الاستكمال على ذاته.

وأمّا في فعل غيره؛ فلأنّ ذاته ناقصة فاعلاً، وذاته كاملة غاية، والنّاقص من شيء وكامله ليسا مباينين، وإلّا لم يكن الناقص ناقصاً من ذلك الكامل، ولا الكامل كاملاً لذلك النّاقص. وأيضاً الغاية مؤخّرة عيناً، مقدّمةٌ ذهناً، وهي علّة فاعليّة الفاعل، والأشياء تحصل بأنفسها في الذّهن، فالريّان يطلب الريّان، والشبعان يبتغي الشبعان، وهكذا؛ إذ ما لم يقم صُورة الريّ مثلاً بنفس طالب الريّ، ولم يحط به خُبراً لم يمكنه الطّلب، وما لم يكن للماء نحو وجُود([6]) ووجدان ونشأة بروز في الأذهان، لم يمكن طلب الماء. قال ابن الفارض:

وَلَو لا شَذاها ما اهتَديتُ لِحانها

 

وَلولا سَناها ما تَصَوّرَهَا الوهمُ([7])

وبالجملة، من الأسباب الموجّهة نحو المطلوب الّذي هو خيرٌ محض: معروفيّتُه، ومعروفيّة الشيء هي هو. وكيف لا يكون من الأسباب، بل رأسها وسنامها؟ ومن المعلومات أنّ طلب المجهُول المطلق محال، ومطلوبيّة الشيء على حسب معروفيّة ذاته، وكمالات ذاته، وبقدر الالتذاذ به.

قال عليّ× في بعض خطبه الشريفة: «أوَّلُ الدِّينِ مَعرفَةُ الله، وَكَمالُ المَعرفَةِ التَّصديق بِهِ، وَكَمالُ التّصدِيقِ بِهِ تَوحِيدُهُ، وَكَمال التَّوحِيدِ الاخِلاصُ لَهُ، وَكَمالُ الإخِلاصِ لَهُ نَفيُ الصِّفاتِ عَنهُ؛ لِشَهادَةِ كُلِّ صِفَة أنّها غَيرُ الموصُوفِ، وَشَهادَةِ كُلِّ مَوصَوفِ أنَّهُ غَيرُ الصِّفَةِ. فَمَن وَصَفَهُ سَبحانَهُ فَقَد قَرَنَهُ، وَمَن قَرَنَهُ فَقَد ثَنّاهُ، وَمَن ثَنّاهُ، فَقَد جَزّاهُ، وَمَن جَزّاهُ، فَقَد جَهِلَهُ، وَمَنْ أشارَ إلَيهِ فَقَد حَدَّهُ، وَمَن حَدَّهُ فَقَد عَدَّهُ. وَمَن قالَ: فيمَ؟ فَقَد ضَمَّنَةُ. وَمَن قالَ: عَلامَ؟ فَقَد أخْلى مِنهُ»([8]). صدق وليّ الله×.

 ____________________

([1]) ص: 78.

([2]) في الدّعاء: «يا مبتدئاً بالنّعم قبل استحقاقها»؛ لأنّ استحقاق الموادّ وقابليّتها فرع الوجود الذي أجلّ نعمة، وهو سيبه وعطيّته، ولولاه لم يظهر مادّة ولا قابليّة. وأمّا قولهم: «العطيّات بقدر القابليّات» مقتنصاً من قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾، ففي ماء حياة النّفوس السّائل بحسب قوابل الأبدان، وفي الكمالات الثانية الفائضة على الموضوعات بقدرها. والوجود بحسب قابليّات الأعيان الثابتة في نشآت العلم اللا مجعولة بلا مجعوليّة الأسماء والصّفات والماهيات الإمكانيّة مطلقاً غير مجعولة لاعتباريّتها. منه.

([3]) أي ما هو منه.

([4]) أي ما هو إليه.

([5]) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 198/المسألة: 14/هـ: 2، رسائل المحقّق الكركي: 160، التفسير الكبير 9: 298.

([6]) إذ لا يمكن أن يقال للماء في النفس: شيئيّة ماهيّة فقط؛ فإنّ تقرّر الماهيّة منفكّةً عن كافّة الوجودات باطلٌ، وصورة الريّ في الحقيقية ريّ، والماء كذلك؛ سواء كانت صورة خياليّة أو عقلية، بل الصّورة العقليّة للشيء أحقّ بإطلاق اسمه من الماديّة؛ لأنّ الصورة الماديّة محفوفة بالمادّة، ممنوّة بأجانب وغرائب من حقيقته، بخلاف العقليّة؛ لصرافتها. وهي والخياليّةُ نوريّةٌ علميةٌ باقيةٌ بخلاف الماديّة الطبيعيّة، فإنّها ظلمانيّة معلومة بالعرض، داثرة؛ إذ الطّبع مطلقاً متجدّدة بالذات. منه سلمه الله تعالى.

([7]) ديوان ابن فارض: 179 (حرف الميم). شرح الأسماء الحسنى 2: 42.

([8]) نهج البلاغة 1: 15. الاحتجاج 1: 296.



Real Time Web Analytics